أحمد بن علي القلقشندي
322
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
كتابه « الصناعتين » : ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعاني ممن تقدمهم والصّبّ على قوالب من سبقهم ، ولكن عليهم إذا أخذوها أن يكسوها ألفاظا من عندهم ، ويبرزوها في معارض من تأليفهم ، ويوردوها في غير حليتها الأولى ، ويزيدوا عليها في حسن تأليفها وجودة تركيبها ، وكمال حليتها ومعرضها ، فإذا فعلوا ذلك فهم أولى بها ممن سبق إليها . قال : ولولا أن القائل يؤدّي ما سمع لما كان في طاقته أن يقول ، وإنما ينطق الطفل بعد استماعه من البالغين ؛ وقد قال أمير المؤمنين علي كرّم اللَّه وجهه : لولا أن الكلام يعاد لنفد . ومن كلام بعضهم : كل شيء إذا ثنيته قصر إلا الكلام ، فإنك إذا ثنيته طال ، والمعاني مشتركة بين العقلاء ، فربما وقع المعنى الجيّد للسّوقيّ والنّبطيّ والزّنجيّ . وإنما يتفاضل الناس في الألفاظ ورصفها ، وتأليفها ونظمها ، وقد أطبق المتقدّمون والمتأخرون على تداول المعاني بينهم ، فليس على أحد فيه عيب إلا إذا أخذه بكل لفظه ، أو أفسده في الأخذ وقصّر فيه عمن تقدّمه . قال في « الصناعتين » : وما يعرف للمتقدّم معنى شريف إلا نازعه فيه المتأخر وطلب الشركة فيه معه ، إلا بيت عنترة : وخلا الذّباب بها فليس ببارح غردا كفعل الشارب المترنّم ( 1 ) هزجا يحكّ ذراعه بذراعه قدح المكبّ على الزّناد الأجذم ( 2 ) فإنه ما نوزع فيه على جودته . قال : وقد رامه بعض المحدثين ( 3 ) فاتضح مع العلم بأن ابتكار المعنى والسبق إليه ليس فيه فضيلة ترجع إلى المعنى ، وإنما ترجع الفضيلة فيه إلى الذي ابتكره وسبق إليه ؛ فالمعنى الجيّد جيّد وإن كان مسبوقا إليه ،
--> ( 1 ) ورد هذان البيتان في الصناعتين : 229 على النحو التالي : وترى الذباب بها يغني وحده هزجا كفعل الشارب المترنم غردا يحك ذراعه بذراعه قدح المكبّ على الزناد الأجذم ( 2 ) ورد هذان البيتان في الصناعتين : 229 على النحو التالي : وترى الذباب بها يغني وحده هزجا كفعل الشارب المترنم غردا يحك ذراعه بذراعه قدح المكبّ على الزناد الأجذم ( 3 ) عبارة الصناعتين : « وقد رامه بعض المجيدين » .