أحمد بن علي القلقشندي

307

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المرتبة الثانية - أن يكون المصراع الأوّل مستقلَّا بنفسه ، غير محتاج إلى الذي يليه إلا أنه مرتبط به ، كقول امريء القيس أيضا : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللَّوى بين الدّخول فحومل فإن المصراع الأوّل منه غير محتاج إلى الثاني في فهم معناه ، ولكنه لما جاء الثاني صار مرتبطا به . المرتبة الثالثة - أن يكون الشاعر مخيّرا في وضع كل مصراع موضع الآخر ، ويسمى التصريع الموجّه ، كقول ابن حجّاج ( 1 ) : من شروط الصّبوح في المهرجان خفّة الشّرب مع خلوّ المكان فإنه لو جعل المصراع الثاني أوّلا والآخر ثانيا ، لساغ له ذلك . المرتبة الرابعة - أن يكون المصراع الأوّل غير مستقلّ بنفسه ، ولا يفهم معناه إلا بالثاني ؛ ويسمّى التصريع الناقص ، وليس بمستحسن ، كقول المتنبي : مغاني الشّعب طيبا في المغاني بمنزلة الربيع من الزّمان فإنّ المصراع الأوّل لا يستقلّ بنفسه في فهم معناه دون المصراع الثاني . المرتبة الخامسة - أن يكون التصريع في البيت بلفظة واحدة في الوسط والقافية ، ويسمّى التصريع المكرر ؛ ثم اللفظة التي يقع بها التصريع قد تكون حقيقة لا مجاز فيها كقول عبيد بن الأبرص ( 2 ) : وكلّ ذي غيبة يؤوب وغائب الموت لا يؤوب وقد تكون اللفظة التي يقع بها التصريع مجازيّة كقول أبي تمّام الطائيّ :

--> ( 1 ) هو حسين بن أحمد النيلي البغدادي : شاعر فحل من كتاب العصر البويهي . في شعره عذوبه وسلامة من التكلف . توفي سنة 391 ه . ( الأعلام : 2 / 331 ) . ( 2 ) من دهاة الجاهلية وحكمائها . وهو أحد أصحاب المجمهرات المعدودة طبقة ثانية عن المعلقات . قتله النعمان بن المنذر في يوم بؤسه ( الشعر والشعراء : 119 ) .