أحمد بن علي القلقشندي
300
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الطيب ؟ لكن لا بدّ لكل جواد من كبوة . ومنها زيادة حرف في غير موضعه كقول دعبل ( 1 ) : شفيعك فاشكر في الحوائج إنّه يصونك عن مكروهها وهو يخلق فالفاء في قوله فاشكر زائدة في غير محلها ، نافرة عن مكانها . قال الوزير ضياء الدين بن الأثير : أنشدني بعض الأدباء هذا البيت فقلت له : عجز هذا البيت حسن ، وأما صدره فقبيح لأن سبكه قلق نافر ، والفاء في قوله فاشكر كأنها ركبة البعير ، وهي في زيادتها كزيادة الكرش ، فقال : لهذه الفاء في كتاب اللَّه تعالى أشباه كقوله تعالى : * ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ وثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) * ( 2 ) فقلت له : بين هذه الفاء وتلك فرق ظاهر يدرك بالعلم أوّلا وبالذوق ثانيا ، أما العلم فإن الفاء في قوله تعالى : * ( ورَبَّكَ فَكَبِّرْ وثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) * فهي الفاء العاطفة إذ وردت بعد قوله : * ( قُمْ فَأَنْذِرْ ) * وهي مثل قولك : امش فأسرع ، وقل فأبلغ ، وليست الفاء التي في قول دعبل : شفيعك فاشكر من هذا القبيل ، بل هي زائدة ولا موضع لها ، وإنما نسبتها أن يقال : ربك أو ثيابك فطهر من غير تقدّم معطوف عليه ( 3 ) ، وحاشا فصاحة القرآن من ذلك . فأذعن بالتسليم ورجع إلى الحق . قال : ومثل هذه الدقائق التي ترد في الكلام نظما كان أو نثرا لا يتفطَّن لها إلا الراسخ في علم الفصاحة . ومنها وصل همزة القطع في الشعر وإن كان ذلك جائزا فيه بخلاف النثر كقول أبي تمّام : قراني اللَّها ( 4 ) والودّ حتّى كأنّما أفاد الغني من نائلي وفوائدي فأصبح يلقاني الزّمان من اجله بإعظام مولود ورأفة والد
--> ( 1 ) هو دعبل بن علي بن رزين الخزاعي المتوفى سنة 246 ه . ( الأعلام : 2 / 339 ) . ( 2 ) المدثر / 1 - 2 - 3 - 4 . ( 3 ) لم يذكر الثاني وقد ذكره في « المثل السائر » فقال : وأما الذوق فإنه ينبو عن الفاء الواردة في قول دعبل ويستثقلها إلى أن قال فلما سمع ما ذكرته أذعن الخ . ( حاشية الطبعة الأميرية ، ص : 278 ) . ( 4 ) اللَّها : العطايا ، مفردها لهوة . ( اللسان : 15 / 261 ) .