أحمد بن علي القلقشندي
294
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
القسم من المعاظلة كثيرا في كلامه نثرا ونظما ، وذلك لعدم معرفته لسلوك الطريق ، كقوله في وصف رجل سخيّ : أنت المريح كبد الريح ، والمليح إن تجهّم المليح بالتكليح ، عند سائل يلوح ، بل تفوق إذ تروق مرأى يوح ( 1 ) ، يا مغبوق ( 2 ) كأس الحمد ، يا مصبوح ضاق عن نداك اللَّوح ( 3 ) ، وببابك المفتوح يستريح ويريح ذو التّبريح ، ويرفّه الطليح ( 4 ) . فأنظر إلى حرفي الراء والحاء كيف لزمهما في كل لفظة من هذه الألفاظ فجاء على ما تراه من الثقل والغثاثة . ثم قال : واعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عدلوا عن تكرير الحروف في كثير من كلامهم ، وذاك أنه إذا تكرر الحرف عندهم أدغموه استحسانا ، فقالوا في جعل لك : جعلَّك ، وفي تضربونني تضربونّي ، وكذلك قالوا : استعدّ فلان للأمر إذا تأهب له ، والأصل فيه استعدد ، واستتبّ الأمر إذا تهيأ والأصل فيه استتبب ، وأشباه هذا كثير في كلامهم حتّى إنهم لشدّة كراهتهم لتكرير الحروف أبدلوا الحرفين ( 5 ) المكررين حرفا آخر غيره ، فقالوا : أمليت الكتاب ، والأصل فيه أمللت ، فأبدلوا اللام ياء طلبا للخفة وفرارا من الثقل ، وإذا كانوا قد فعلوا ذلك في اللفظة الواحدة فما ظنك بالألفاظ الكثيرة التي يتبع بعضها بعضا . قلت : ليس تكرار الحروف مما يوجب التنافر مطلقا كما يقتضيه كلامه بل بحسب التركيب ، فقد تتكرر الحروف وتترادف في الكلمات المتتابعة مع القطع بفصاحتها وخفّتها على اللسان وسهولة النطق بها ، ألا ترى إلى قوله تعالى : * ( قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ) * ( 6 ) كيف اجتمع فيه ستّ عشرة ميما في آية واحدة ، قد
--> ( 1 ) اسم للشمس ( اللسان : 2 / 639 ) . ( 2 ) من : الغبق والتغبّق والاغتباق وهو شرب العشيّ ( اللسان : 10 / 281 ) . ( 3 ) اللوح : الهواء بين السماء والأرض ( اللسان : 2 / 587 ) . ( 4 ) الساقط إعياء من السفر . ( اللسان : 2 / 587 ) . ( 5 ) صوابه أحد الحرفين كما هو نص العبارة في المثل السائر ( حاشية الطبعة الأميرية ص : 273 ) . ( 6 ) هود / 48 .