أحمد بن علي القلقشندي

292

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وأوّل من نبه على ذلك الأستاذ ابن العميد ( 1 ) رحمه اللَّه . ومما يحكى في ذلك : أن الصاحب بن عبّاد أنشد هذا البيت بحضرة ابن العميد ، فقال له ابن العميد : هل تعرف في هذا البيت شيئا من الهجنة ؟ فقال : نعم ، مقابلة المدح باللوم ، وإنما يقابل المدح بالذم والهجاء ، فقال له ابن العميد : غير هذا أريد ، قال : لا أرى غير ذلك . فقال ابن العميد : هذا التكرير في أمدحه ، أمدحه مع الجمع بين الحاء والهاء وهما من حروف الحلق خارج عن حدّ الاعتدال ، نافر كلّ التنافر ، فاستحسن الصاحب بن عبّاد ذلك . قال الشيخ سعد الدين التفتازانيّ في شرح تلخيص المفتاح : ولا يجوز أن يراد أن الثقل في لفظة أمدحه دون تكرار ، فإنّ مثل ذلك واقع في التنزيل نحو قوله تعالى : * ( فَسَبِّحْه ) * * والقول باشتمال القرآن على كلام غير فصيح مما لا يجتريء عليه المؤمن . الضرب الثاني - ما كان شديد الثقل بحيث يضطرب لسان المتكلم عند إرادة النطق به ، كقوله : وقبر حرب بمكان قفر وليس قرب قبر حرب قبر قال في عجائب المخلوقات : إن من الجن نوعا يقال له الهاتف ، فصاح واحد منهم على حرب بن أميّة ( 2 ) فمات ، فقال ذلك الجنّي هذا البيت . قال المسعوديّ في « مروج الذهب » : والدليل على أنه من شعر الجن أمران : أحدهما الرواية ، والثاني أنه لا يقوله أحد ثلاث مرات متواليات إلا تعتع فيه . قال ضياء الدين بن الأثير : والسبب في ثقل البيت تكرير حرفي الباء والراء

--> ( 1 ) علي بن محمد بن الحسين ، أبو الفتح بن العميد : وزير من الكتاب الشعراء ، يلقب بذي الكفايتين . قتله مؤيد الدولة البويهي سنة 366 ه . ( الأعلام : 4 / 325 ) . ( 2 ) من قضاة العرب في الجاهلية ومن سادات قومه ، وهو جدّ معاوية بن أبي سفيان ( الأعلام : 2 / 172 ) .