أحمد بن علي القلقشندي
290
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
البكاء حال الحزن ، بخلاف ما قصده الشاعر من التعبير به عن الفرح والسرور ، وإن كانت حالة جمود الدمع مشتركة بين بخل العين بالدمع عند إرادة البكاء ، وبين زمن السرور الذي لم يطلب فيه بكاء ، وكذلك يجري القول في كل لفظ مشترك ينتقل الذهن فيه من أحد المعنيين إلى الآخر إذا لم يكن هناك قرينة تصرفه إلى أحدهما ، كما صرح به الرمانيّ ( 1 ) وغيره ، خصوصا إذا كان أحد المعنيين الذي يدلّ عليه اللفظ المشترك مستقبحا كما نبه عليه ابن الأثير في الكلام على فصاحة اللفظ المفرد ؛ ألا ترى أن لفظة التعزير مشتركة بين التعظيم والإكرام ، وبين الإهانة بسبب الخيانة التي لا توجب الحدّ من الضرب وغيره ، والمعنيان ضدّان ، فحيث وردت معها قرينة صرفتها إلى معنى التعظيم جاءت حسنة رائقة ، وكانت في أعلى درجات الفصاحة ؛ وعلى نحو ذلك ورد قوله تعالى : * ( لِتُؤْمِنُوا بِالله ورَسُولِه وتُعَزِّرُوه وتُوَقِّرُوه ) * ( 2 ) وقوله : * ( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِه وعَزَّرُوه ونَصَرُوه ) * ( 3 ) الآية ، فإنه لما ورد معها قرينة التوقير في الآية الأولى وقرينة الإيمان والنصر في الآية الثانية زال اللبس وحسن الموقع ؛ ولو وردت مهملة بغير قرينة بإرادة المعنى الحسن لسبق الفهم إلى المعنى القبيح ، كما لو قلت عزّر القاضي فلانا وأنت تريد أنه عظمه ، فإنه لا يتبادر من ذلك إلى الفهم إلا أنه أهانه ، وعلى هذا النّهج يجري الحكم في الحسن والقبح مع القرينة وعدمها . قال ابن الأثير رحمه اللَّه : فما ورد مع القرينة فجاء حسنا قول تأبط شرّا : أقول للحيان ، وقد صفرت لهم وطابي ويومي ضيّق الجحر معور فإنه أضاف الجحر إلى اليوم فأزال عنه هجنة الاشتباه لأن الجحر يطلق على
--> ( 1 ) هو علي بن عيسى ، أبو الحسن الرمّاني : باحث معتزلي ، مفسر من كبار النحاة . توفي ببغداد سنة 384 ه . ( الأعلام 4 / 317 ) . ( 2 ) سورة الفتح / 9 . ( 3 ) سورة الأعراف / 157 .