أحمد بن علي القلقشندي

282

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الاستعمال دائرة على الألسنة ، فقوّة التركيب وحسن السبك هو الذي ظهر فيه الإعجاز وأفحمت فيه البلاغة من حيث لاقت اللفظة الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة ، وكذلك سائر الألفاظ إلى آخر الآية . ويشهد لذلك أنك لو أخذت لفظة منها من مكانها وأفردتها عن أخواتها لم تكن لابسة من الحسن والرونق ما لبسته في موضعها من الآية ، ولكلّ كلمة مع صاحبتها مقام . قال ابن الأثير : ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلَّان على معنى واحد ، كلتاهما في الاستعمال على وزن واحد وعدّة واحدة ، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه ، بل يفرق بينهما في مواضع السّبك ؛ وهذا مما لا يدركه إلا من دقّ فهمه ، وجلّ نظره . وإذا نظرت إلى قوله تعالى : * ( ما جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه ) * ( 1 ) وقوله تعالى : * ( رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ) * ( 2 ) رأيت ذلك عيانا ، فإن الجوف والبطن بمعنى واحد ، وقد استعمل الجوف في الآية الأولى والبطن في الآية الثانية ولم يستعمل أحدهما مكان الآخر ؛ وكذلك قوله تعالى : * ( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ) * ( 3 ) وقوله : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَه قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ ) * ( 4 ) فالقلب والفؤاد سواء في الدلالة وإن كانا مختلفين في الوزن ، ولم يستعمل أحدهما موضع الآخر . ومما يجري هذا المجرى قول الأعرج ( 5 ) من أبيات الحماسة : نحن بنو الموت إذا الموت نزل لا عار بالموت إذا حمّ الأجل الموت أحلى عندنا من العسل

--> ( 1 ) سورة الأحزاب / 4 . ( 2 ) سورة آل عمران / 35 . ( 3 ) سورة النجم / 11 . ( 4 ) سورة ق / 37 . ( 5 ) هو عمرو بن سويد بن ريّان الأعرج الطائي . وقيل اسمه سويد بن عدّي . وهو شاعر مخضرم . ( معجم الشعراء : 251 ) .