أحمد بن علي القلقشندي
272
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فأعطاه أكثر من حقه ، وما أنصفهما : ولو كان هذا موضع العتب لا شتفى فؤادي ولكن للعتاب مواضع قال المولى صلاح الدين الصّفدي رحمه اللَّه تعالى في شرح لامية العجم : وقد استعمل ابن سناء الملك رحمه اللَّه تعالى هذه اللفظة في غير هذا الموضع ولم يتّعظ بنهي الفاضل ولا ارعوى ولا ازدجر عما قبحه لأنه غلب عليه الهوى ، فقال : توسوس شعري به مدّة وما برح الحلي والوسوسة وخلَّصني من يدي عشقه ظلام على خدّه حندسه ( 1 ) كنست فؤادي من عشقه ولحيته كانت المكنسه قال : وأما القاضي الفاضل ، فما أظنه خلا في هذا الإيراد ، من ضعف انتقاد ؛ وأحاشي ذاك الذهن الوقّاد ، من هذا الاعتقاد في ورطة هذا الاعتقاد ؛ وما أراه إلا أنه تعمّد أن يعكس مراده ، ويوهي ما شدّه ويوهن ما شاده ؛ ويرميه ببلاء البلادة ؛ إما على سبيل النّكال أو النّكادة ، لأن الفاضل رحمه اللَّه ممن يتوخّى هذه الألفاظ ويقصدها ، وينشيها وينشدها ، ويوري زنادها ويوردها . فمن كلام القاضي الفاضل في بعض رسائله : وما استطاعت أيديهم أن تقبض جمره ، ولا ألبابهم أن تسيغ خمره ، ولا سيوفهم أن تكنس قميمه ( 2 ) . قال في « المثل السائر » : ومثل هذه الألفاظ إذا وردت في الكلام ، وضعت من قدره ولو كان معناه شريفا . قال : وهذا القسم من الألفاظ المبتذلة لا يكاد يخلو منه شعر شاعر ، لكن منهم المقلّ ومنهم المكثر .
--> ( 1 ) من الحندس وهي الظَّلمة . وليله حندسة ، وليل حندس ( بكسر الحاء والدال ) : مظلم . ( اللسان 6 / 58 ) . ( 2 ) القميم : ما بقي من نبات عام أول وما يبس من البقل ، والقمامة : الكناسة ( اللسان 12 / 494 ) .