أحمد بن علي القلقشندي
268
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فمن ذلك قول الفرزدق من قصيدة : وأصبح مبيضّ الضّريب كأنه على سروات النّبت قطن مندّف فقوله مندّف من الألفاظ العامية المبتذلة ، وإن كان له أصل في اللغة ، يقال ندف القطن إذا ضربه بالمندف ، ولذلك قيل للقطن المندوف : نديف . ومن ذلك قول أبي نواس : وملحّة بالعذل تحسب أنني بالجهل أترك صحبة الشّطَّار فالشطار جمع شاطر ، وهو في أصل اللغة اسم لمن أعيا أهله خبثا ؛ يقال منه : شطر وشطر بالفتح والضم شطارة بالفتح فيهما ، ثم استعمل في الشجاع الذي أعيا الناس شجاعة ، وغلب دورانه على لسان العامة فامتهن وابتذل ؛ فاستعمال أبي نواس له غير لائق ، وكذلك قوله أيضا : يا من جفاني وملَّا نسيت أهلا وسهلا وما تمرحبت لما رأيت ما لي قلَّا إني أظنّك فيما فعلت تحكي القرلَّى فلفظ القرلَّى من أشدّ ألفاظ العامة ابتذالا ، وهو اسم لطائر صغير من طيور الماء يخطف صغار السمك من الماء برجليه ومنقاره ، فإذا سقط على الماء ولم يحصل على صيد ارتفع بسرعة ، فتضرب به العامة المثل تقول : فلان كأنه قرلَّى ، إن وجد خيرا تدلَّى ، وإن وجد شرّا تعلَّى . وقوله أيضا : وأنمر الجلدة صيّرته في الناس زاغا وشقرّاقا ما زلت أجري كلكلي فوقه حتّى دعا من تحته قاقا فقوله : قاقا حكاية لصوت يضرب به المثل لصياح المغلوب ، يقال : فعلت بفلان كذا وكذا حتّى قال : قاق ؛ وأقبح من ذلك كله في الابتذال بين العامة والسّخافة قول المتنبي :