أحمد بن علي القلقشندي

260

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الغريب إلا في النادر ؛ وأهل البادية يألفون اللفظ الجزل ويميلون إلى استعمال الغريب ؛ وإذا نظرت إلى أهل مكة وكلام قريش الذين نزل القرآن بلغتهم وبعث رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من أرومتهم ، وكلام أهل حضرموت وما جاورها من اليمن ومخاليف الحجاز ، علمت فرق ما بين الكلامين ، وتباين ما بين الطَّرفين ، حتّى كأنّ البادي يرطن بالنسبة إلى الحاضر ، ويتكلم بلغة غير العربية ؛ وكانت لغة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم التي يتكلم بها على الدوام ، ويخاطب بها الخاص والعامّ ، لغة قريش وحاضرة الحجاز ، إلا أنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أوتي جوامع الكلم وجمع إلى سهولة الحاضرة جزالة البادية ، فكان يخاطب أهل نجد وتهامة وقبائل اليمن بلغتهم ، ويخاطبهم في الكلام الجزل على قدر طبقتهم . فمن ذلك كلامه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لطهفة النّهديّ وكتابه إلى بني نهد ، وذلك أنه لما قدم وفود العرب على النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قدم عليه طهفة بن أبي زهير النّهديّ ، فقال : أتيناك يا رسول اللَّه من غور تهامة على أكوار الميس ( 1 ) ، ترتمي بنا العيس ، نستحلب الصّبير ( 2 ) ، ونستجلب الخبير ( 3 ) ونستعضد البرير ( 4 ) ، ونستخيل الرّهام ( 5 ) ، ونستخيل الجهام ( 6 ) ؛ من أرض غائلة النّطاء ( 7 ) ، غليظة الوطاء ؛ قد جفّ المدهن ( 8 ) ، ويبس الجعثن ( 9 ) ؛ وسقط الأملوج ( 10 ) ، ومات العسلوج ( 11 ) ؛ وهلك

--> ( 1 ) أكوار جمع كور ، بالضم ، وهو الرحل . والميس شجر عظام . والمراد : على الأكوار المصنوعة منه . ( 2 ) الصّبير : السحاب الكثيف . ( 3 ) الخبير : العشب . ( 4 ) استعضد الثمرة : اجتناها ؛ والبرير : ثمر الأراك ، وكانوا يأكلونه وقت الجدب لقلة الزاد . ( 5 ) نستخيل : نخال ونظن ؛ وسحابة مخيلة ( بضم فكسر ) أي تحسبها ماطرة . والرهام جمع رهمة ( بالكسر ) وهي المطر الضعيف الدائم . ( 6 ) الجهام : السحاب قد أراق ماءه . ( 7 ) النطاء : البعد . أي بعيدة بعدا مهلكا . ( 8 ) المدهن : مستنقع الماء أو كل موضع حفره السيل . ( 9 ) الجعثن : أصل النبات . ( 10 ) الأملوج : ورق كورق السرو لشجر بالبادية . ( 11 ) العسلوج : ما لان واخضرّ من القضبان .