أحمد بن علي القلقشندي

241

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أعلم أقلده في ذلك أم ذوقه أدّاه إليه ؟ . الضرب الثالث ما يعاب استعماله بصيغة دون صيغة قال في « المثل السائر » : وهذا الضرب من هذه الصناعة بمنزلة عليّة ، ومكانة شريفة ، وجلّ الأسرار اللفظية منوط به . قال : وقد لقيت جماعة من مدّعي فن الفصاحة وفاوضتهم وفاوضوني ، وسألتهم وسألوني ، فما وجدت أحدا منهم يتقن معرفة هذا الموضع كما ينبغي ؛ وقد استخرجت فيه أشياء لم أسبق إليها ؛ فإن اللفظة الواحدة قد تنتقل من هيئة إلى هيئة ، أو من صفة إلى صفة ، فتنتقل من القبح إلى الحسن وبالعكس فيصير القبيح حسنا ، والحسن قبيحا ، والمرجع في ذلك إلى الذوق الصحيح والطبع السليم ؛ وقد نبّه منه على تسعة أنماط : النمط الأوّل - ما يترجح فيه الاسم في الاستعمال على الفعل ، وذلك في مثل لفظ خود ، فإنها عبارة عن المرأة الناعمة ، فإذا نقلت إلى صيغة الفعل ، قيل خوّد على وزن فعّل بتشديد العين ، ومعناها أسرع . يقال : خوّد البعير إذا أسرع في مشيه ، فهي على صيغة الاسم حسنة رائقة ، قد وردت في النظم والنثر كثيرا ، وإذا جاءت على صيغة الفعل لم تكن حسنة ، كقول أبي تمّام : وإلى بني عبد الكريم تواهقت رتك النّعام رأى الطريق ( 1 ) فخوّدا ( 2 ) إلا أن لفظة خوّد قد استعملت على غير هذا الوجه في بعض المواضع فزال عنها بعض القبح وإن لم تلحق بدرجة الرائق الحسن ، كقول بعض شعراء الحماسة :

--> ( 1 ) في « المثل السائر » : الظلام . وكذا في ديوان أبي تمام . ( 2 ) تواهقت : تبارت في السير وهي مادة أعناقها . الرّتك : المشي في اهتزاز ، ونادرا ما تقال في غير الإبل . خوّد : أسرع في سيره .