أحمد بن علي القلقشندي

237

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

قال في « المثل السائر » : وياللَّه العجب ! أليس أنها بمعنى فريد ؟ وفريد لفظة حسنة رائقة ، لو وضعت في هذا البيت موضع جحيش لما اختل شيء من وزنه ، فتأبط شرّا ملوم من وجهين : أحدهما استعماله القبيح ، والثاني أنه كانت له مندوحة عن استعماله فلم يعدل عنها ؛ وأقبح من ذلك لفظ اطلخمّ في قول أبي تمّام : قد قلت لما اطلخمّ الأمر وانبعثت عشواء تالية غبسا دهاريسا ( 1 ) فإن لفظة اطلخمّ من الألفاظ المنكرة التي جمعت الوصفين القبيحين : من أنها غريبة ، وأنها غليظة في السمع ، كريهة على الذّوق ، وكذلك لفظة دهاريس في آخر البيت المذكور . وعلى حدّ ذلك ورد لفظ جيدر في قوله من أبيات في وصف فرس : نعم متاع الدّنيا حباك به أروع لا جيدر ولا جبس ( 2 ) فلفظة جيدر وحشية غليظة ؛ وأغلظ منها لفظة جفخت في قول أبي الطَّيّب المتنبي : جفخت وهم لا يجفخون بها بهم شيم على الحسب الأغرّ دلائل فإن لفظة جفخ مرّة الطعم ، وإذا مرّت على السمع اقشعرّ منها ، وكان له مندوحة عن استعمالها ، فإن جفخت بمعنى فخرت وهما في وزن واحد ، فلو أتى بلفظ فخرت ويفخرون مكان جفخت ويجفخون لاستقام وزن البيت وحظي في استعماله بالأحسن ، فهو في ذلك كتأبّط شرّا في لفظة جحيش في توجه الملامة عليه من وجهين .

--> ( 1 ) إطلخمّ ، أظلم وتراكم ؛ غبس : مفردها أغبس أي أغبر ، من الغبسه والغبس وهو لون الرماد ؛ الدهاريس : واحدها دهرس ودهرس وهو الداهية . ( 2 ) الأروع : الرجل الكريم ذو الجسم والجهارة والفضل ، وقيل هو الجميل الذي لا يروعك حسنه ، الجيدر : القصير ، وقد يقال : جيدرة على المبالغة ؛ الجبس : الرديء الدنيء الجبان .