أحمد بن علي القلقشندي
209
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فيها على الأموال مآتم ، والجود في أيديكم خاتم ، ونفس حاتم في نقش ذلك الخاتم » . فهذا هو السّحر الحلال ، والمعاني التي تخضع لها شمّ الجبال ، ولا يقال فيه قيل ولا قال . الصنف الثاني ما كان مستقيما قبيحا كقولك قد زيدا رأيت قال في « الصناعتين » : وإنما قبح لأنك أفسدت نظام اللفظ بالتقديم والتأخير . وهذا النوع يسميه علماء المعاني : التعقيد . وسماه ابن الأثير في « المثل السائر » المعاظلة ( 1 ) المعنوية ، وهو تقديم ما الأولى به التأخير ، كتقديم الصفة أو ما يتعلَّق بها على الموصوف ، وتقديم الصّلة على الموصول ونحو ذلك ؛ وهو من المذموم المرفوض عند أهل الصنعة ، لأن المعنى يختلّ به ويضطرب . قال في « المثل السائر » : وهو ضدّ الفصاحة ، لأن الفصاحة هي الظَّهور والبيان ، وهذا عار عن هذا الوصف ؛ فمن ذلك قول بعضهم : فأصبحت بعد خطَّ بهجتها كأن قفرا رسومها قلما يريد فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأنّ قلما خط رسومها فقدم خبر كأنّ وهو خطَّ عليها فجاء مختلَّا مضطربا ، وأقبح منه وأكثر اختلالا قول الفرزدق : إلى ملك ما أمّه من محارب أبوه ، ولا كانت كليب تصاهره يريد إلى ملك أبوه ما أمّه من محارب ، والمعنى ما أم أبيه من محارب ، يمدحه بذلك ذمّا لمحارب . وكذلك قوله ، يمدح خال ( 2 ) هشام بن عبد الملك :
--> ( 1 ) وأصل هذه الكلمة من قولهم : « تعاظلت الجرادتان إذا ركبت إحداهما الأخرى . وعاظل الرجل المرأة إذا ركبها » ( كتاب الصناعتين : 168 ) . ( 2 ) وهو هشام بن إسماعيل ( المرجع السابق ) .