أحمد بن علي القلقشندي

203

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وإذا أنكر عليهم الاقتصار على الألفاظ المسجوعة ، وهدوا إلى طريق المعاني ، يقولون : لنا أسوة بالعرب الذين هم أرباب الفصاحة ؛ فإنهم إنما اعتنوا بالألفاظ ، ولم يعتنوا بالمعاني إعتناءهم بالألفاظ . فلم يكفهم جهلهم فيما أرتكبوه حتّى ادّعوا الأسوة بالعرب فيه فصارت جهالتهم جهالتين . قال : ولم يعلموا أن العرب ، وإن كانت تعتني بالألفاظ فتصلحها وتهذّبها فإن المعاني أقوى عندها ، وأكرم عليها ، وأشرف قدرا في نفوسها . ولما كانت الألفاظ عنوان المعاني وطريقها إلى إظهار أغراضها أصلحوها ، وزيّنوها وبالغوا في تحسينها ، ليكون ذلك أوقع لها في النفس ، وأذهب بها في الدّلالة على القصد . ألا ترى أن الكلام إذا كان مسجوعا لذّ لسامعه فحفظه ، وإذا لم يكن مسجوعا لم يأنس به أنسه في حالة السجع ؛ فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسنوها ورقّقوا حواشيها وصقلوا أطرافها ، فلا تظنّ أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ فقط ، بل هي خدمة منهم للمعاني ، فصار ذلك كإبراز صورة الحسناء في الحلل الموشّاة والأثواب المحبّرة ، فإنا قد نجد من المعاني الفاخرة ما شوّه من حسنه بذاذة لفظه وسوء العبارة عنه . قال أبو هلال العسكري رحمه اللَّه : ومن عرف ترتيب المعاني واستعمل الألفاظ على وجوهها بلغة من اللَّغات ثم انتقل إلى لغة أخرى تهيأ له فيها من صنعة الكلام ما تهيأ له في الأولى . ألا ترى أن عبد الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتابة التي رسمها لمن بعده من اللسان الفارسيّ ، وحوّلها إلى اللسان العربيّ . فلا يكمل لصناعة الكلام إلا من تكمّل لإصابة المعنى وتصحيح اللفظ والمعرفة بوجوه الاستعمال . قال في « المثل الثائر » : واعلم أن المعاني الخطابية قد حصرت أصولها ، وأول من تكلم في ذلك حكماء اليونان ؛ غير أن الحصر كليّ لا جزئيّ ، ومحال أن تحصر جزئيات المعاني وما يتفرّع عليها من التفريعات التي لا نهاية لها ، لا جرم أن ذلك الحصر لا يستفيد بمعرفته صاحب هذا العلم ، ولا يفتقر إليه ؛ فإن البدويّ