أحمد بن علي القلقشندي

196

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بالسّعة وبعد السمافة وقلة الماء والإيحاش وصعوبة المسلك ، وما يجري مجرى ذلك . الصنف الثاني المياه الأرضية ؛ وهي على ضربين الضرب الأوّل الماء الملح ووقع في لغة الإمام الشافعيّ رضي اللَّه عنه الماء المالح ؛ وهو أحد العناصر الأربعة ، وسيأتي في الكلام على الأرض في المقالة الثانية أنه محيط بالأرض من جميع جهاتها إلا ما اقتضته الحكمة الإلهية لعمارة الدنيا من كشف بعض ظاهرها الأعلى ، وأنه تفرّعت منه بحار منبثّة في جهات الأرض لتجري السفن فيها بما ينفع الناس . وقد ذكر الحكماء أن في الماء الملح كثافة لا توجد في الماء العذب ، ومن أجل ذلك لا ترسب فيه الأشياء الثقيلة كما ترسب في الماء العذب ، حتّى يقال : أن السفن التي تغرق في البحر الملح لا تبلغ أرضه بخلاف التي تغرق في الأنهار فإنها تنزل إلى قعرها ، وشاهد ذلك أنك إذا طرحت في الماء العذب بيضة دجاجة ونحوها غرقت فيه ، فإذا أذبت في ذلك الماء ملحا بحيث يغلب على الماء وطرحت فيه البيضة عامت ، وقد اختلف في الماء الملح هل هو كذلك من أصل الخلقة أو عرضت له الملوحة بسبب مالاقاه من سبخ الأرض على مذهبين . ومن خصائص البحر الملح أنه في غاية الصّفاء حتّى إنه يرى ما في قعره على القرب من شطَّه . ويوصف البحر بالسّعة والطول والعرض وكثرة العجائب حتّى يقال في المثل : « حدّث عن البحر ولا حرج » . الضرب الثاني الماء العذب قالت الحكماء : والسبب فيه أن الأبخرة تتصاعد من قعر الأرض فتدخل في