أحمد بن علي القلقشندي
187
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وتعالى كما أخبر بقوله : * ( ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ) * ( 1 ) ويسوقها إلى حيث يشاء ، كما ثبت في الصحيح أنّ رجلا سمع صوتا من سحابة : اسق حديقة فلان . وذهب الحكماء إلى أنه بخار متصاعد من الأرض مرتفع من الطبقة الحارّة إلى الطبقة الباردة فيثقل ويتكاثف وينعقد فيصير سحابا . قال الثعالبيّ في « فقه اللغة » : وأوّل ما ينشأ يقال له : النّشء ؛ فإذا انسحب في الهواء ، قيل له : سحاب ؛ فإذا تغيرت به السماء ، قيل له : غمام ، فإن سمع صوت رعده من بعيد قيل فيه : عقر ؛ فإذا أظل ، قيل : عارض . وقد أخبر تعالى عن قوم عاد بقوله : * ( فَلَمَّا رَأَوْه عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ) * ( 2 ) ؛ فإن كان بحيث إذا رؤي ظنّ أنّ فيه مطرا قيل له : مخيّلة ؛ فإن كان السحاب أبيض قيل له : مزن ؛ فإذا هراق ما فيه قيل : جهام ، وقيل الجهام : هو الذي لا مطر فيه . وقد أولع أهل النظم والنثر بوصفه وتشبيهه . الصنف الثالث الرعد وهو صوت هائل يسمع من السحاب ، وقد اختلف في حقيقته فروي أنه صوت ملك يزجر به السحاب ، وقيل غير ذلك ؛ والنصيرية من الشّيعة يزعمون أنه صوت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه حيث زعموا أنّ مسكنه السحاب ؛ وذهبت الفلاسفة إلى أنه دخان يتصاعد من الأرض ويرتفع حتّى يتصل بالسحاب ويدخل في تضاعيفه ويبرد فيصير ريحا في وسط الغيم ، فيتحرّك فيه بشدّة فيحصل منه صوت الرعد ، ويقال منه : رعدت السماء ؛ فإذا زاد صوتها ،
--> ( 1 ) سورة الرعد / 12 . ( 2 ) سورة الأحقاف / 24 .