أحمد بن علي القلقشندي

162

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ومنها القدح ، وهو إناء من زجاج ونحوه يصبّ فيه من الإبريق المقدّم ذكره . ومنها الكأس ؛ وهو القدح بعد امتلائه ، ولا يسمّى كأسا إذا كان فارغا بل قدحا كما تقدّم . ومنها الكوب - بالباء الموحدة - وهو الذي لا عروة له يمسك بها ، أما إذا كانت له عروة فإنه يقال له كوز بالزاي المعجمة . قلت : والعجب ممن يذهب طيّباته في حياته الدّنيا ، ويفوز بما وصفه المرارة وطبعه إزالة العقل الذي به تدرك اللذة ، ويفوت النعيم المقيم في دار البقاء ! فقد ورد « أن من شرب الخمر في الدّنيا لم يطعمها في الآخرة » . قال العلماء : إذا رآها ، لا يشتهيها ولم تطلبها نفسه ، وقد وصف اللَّه تعالى حال خمر الجنة بقوله : * ( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وأَبارِيقَ وكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ ) * ( 1 ) وأتبع ذلك بكمال النعمة في قوله : * ( وفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ولَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً ولا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً ) * ( 2 ) . اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ! فلا تحرمنا خير ما عندك بشرّ ما عندنا . ومنها : الحشيشة التي يأكلها سفلة الناس وأراذلهم ، وتسميها الأطباء بالشّهدانج ، وعبر عنها ابن البيطار في مفرداته بالقنّب الهنديّ ، وهي مذمومة شرعا ، مضرة طبعا ، تفسد المزاج ، وتؤثر فيه الجفاف وغلبة السوداء ، وتفسد الذهن ، وتورث مساءة الأخلاق ، وتحطَّ قدر متعاطيها عند الناس ؛ إلى غير ذلك من الصفات الذميمة المتكاثرة . وكلام القاضي حسين يدل على أنه لا يحدّ متعاطيها وإن فسّق ، فإنه قال : وغير الخمر مثل البنج وجوز ماثل والأفيون لا يحدّ متعاطيه بحال ؛ بل إن تعمّد تناوله فسّق به ، وإن تناوله غلطا أو للتداوي لم يفسّق ؛ وقد

--> ( 1 ) سورة الواقعة / 17 - 18 - 19 . ( 2 ) سورة الواقعة / من 20 إلى 26 .