أحمد بن علي القلقشندي
133
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الصنف الثالث العود قال التميميّ : أخبرني أبي عن جماعة من أهل المعرفة أنه شجر عظام تنبت ببلاد الهند ، فمنه ما يجلب من أرض قشمير ( 1 ) الداخلة ؛ من أرض سرنديب ، ومن قمار ( 2 ) ، وما اتّصل بتلك النواحي ؛ وأنه لا تصير له رائحة إلا بعد أن يعتق ؛ ويقشّر فإذا قشر وجفف حمل إلى النواحي حينئذ . قال : وأخبرني بعض العلماء به أنه لا يكون إلا من قلب الشجرة ، بخلاف ما قارب القشر كما في الآبنوس والعنّاب ونحوهما من الأشجار التي داخلها فيه دهانة ، وما في خارجها خشب أبيض ؛ وأنه يقطع ويقلع ظاهره من الخشب الأبيض ، ويدفن في التراب سنين حتّى تأكل الأرض ما داخله من الخشب ويبقى العود لا تؤثر فيه الأرض . وحكى محمد بن العباس : أنه يكون في أودية بين جبال شاهقة ، لا وصول لأحد إليها لصعوبة مسلكها ، فيتكسر بعض أشجاره أو يتعفّن بكثرة السيول لممرّ الأزمان ، فتأكل الأرض ما فيه من الخشب ويبقى صميم العود وخالصه فتجرّه السيول وتخرجه من الأودية إلى البحر فتقذفه الأمواج إلى السواحل ، فيلتقطه أهل السواحل ويجمعونه فيبيعونه . ويقال : إنه يأتي به قوم في المراكب إلى ساحل الهند فيقفون على البعد بحيث لا ترى أشخاصهم ، ثم يطلعون ليلا فيضعونه بفرضة تلك البلاد ، ويخرج أهل البلد نهارا فيضعون بإزائه بضائع ويتركونها إلى الليل ، فيأتي أصحاب العود فمن أعجبه ما بإزاء متاعه أخذه وإلا تركه ، فيزيدونه حتّى يعجبه فيأخذه ، كما
--> ( 1 ) وهي : كشمير . ( 2 ) قال في معجم البلدان : « قمار أو قامرون : موضع في بلاد الهند ، يعرف منه العود النهاية في الجودة » .