أحمد بن علي القلقشندي

127

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

والمسك فيها دم عبيط ( 1 ) ؛ وهي النوافج ؛ فإن كانت النافجة ( 2 ) كثيرة الدم اكتفي بما فيها ، وإن كانت واسعة قليلة الدم زيد فيها من غيرها ، ويصب فيها الرصاص المذاب وتحاط بالخوص وتعلق في حلق مستراح أربعين يوما ، ثم تخرج وتعلق في موضع آخر حتّى يتكامل جفافها وتشتد رائحتها ، ثم تصيّر النوافج في مزاود صغار وتخيطها التّجّار وتحملها ، وقيل : إنه يبنى لهذه الظباء حين يعرض لها هذا العارض بناء كالمنارة في طول عظم الذراع لتأتي الظباء فتحك سررها بذلك البناء فتسقط النوافج ، حتّى إنه يوجد في تلك المراغة ألوف من النوافج ما بين رطب وجامد . ثم قيل : إن هذه الظباء توجد بمفازات بين الصين وبين التّبّت ( 3 ) والصّغد ( 4 ) من بلاد الترك ؛ وإن أهل التّبّت يلتقطون ما قرب إليهم ، وقد قيل : إن المسك يحمل إلى التّبّت من أرض بينها وبين التّبّت مسيرة شهرين . وبالجملة فإنه تختلف أسماء أنواعه باختلاف الأماكن التي ينسب إليها ؛ إما باعتبار أصل وجوده فيها ، وإما باعتبار مصيره إليها . وأجوده في الجملة : ما طاب مرعى ظبيه ؛ ومرعى ظبيه ؛ ومرعى ظبائه النبات الذي يتخذ منه الطيب كالسنبل ونحوه ؛ ولا يخفى أن بعض نبات الطيب أطيب رائحة من بعض ، حتّى يقال إن منه ما رائحته كرائحة المسك . وقيل أجوده : ما كمل في الظبي قبل بينونته عنه .

--> ( 1 ) الدم العبيط : الطريّ . ( اللسان : 7 / 342 ) . ( 2 ) وعاء المسك معرّب . وهو أيضا مؤخر الضلوع . ( اللسان : 2 / 382 والقاموس : 1 / 217 ) . ( 3 ) أو التيبت : جنوبي الصين . وقال « برتولد » يظهر أن جغرافيّي العرب قد فهموا بوجه عام أن التّبت هي بلاد التّبت الصغرى أو بلتستان . وفي إشارات العرب عن « التّبت » الكثير من الأساطير . ( دائرة المعارف الإسلامية : 9 / 169 ) . ( 4 ) في معجم البلدان : 3 / 409 « كورة عجيبة قصبتها سمرقند ، وقيل : هما صغدان ، صغد سمرقند وصغد بخارى . » وقال في الروض المعطار : 362 « الصغد بين بخارى وسمرقند ، وهم رهط من الترك » .