أحمد بن علي القلقشندي

90

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فيالائمي دعني أغالي بقيمتي فقيمة كلّ الناس ما يحسنونه قد زادت ألفاظه وذهبت طلاوته ، وإن كان قد أفرد المعنى في نصف بيت فإنه قد احتاج إلى زيادة مثل ألفاظه مرّة أخرى توطئة له في صدر البيت ومراعاة لإقامة الوزن ، وزاد في قوله « فقيمة » فاء مستكرهة ثقيلة لا حاجة إليها وأبدل لفظ امرئ بلفظ الناس ولا شكّ أنّ لفظ امرئ هنا أعذب وألطف ؛ وغيرّ قوله « يحسن » إلى قوله « يحسنونه » ، والجمع بين نونين ليس بينهما إلا حرف ساكن غير معتدّ به مستوخم ؛ وإذا اعتبرت ما نقل من معاني النظم إلى النثر وجدته قد نقصت ألفاظه وزاد حسنا ورونقا ألا ترى إلى قول المتنبي يصف بلدا قد علَّقت القتلى على أسوارها : وكان بها مثل الجنون فأصبحت ومن جثث القتلى عليها تمائم كيف نثره الوزير ضياء الدين بن الأثير في قوله يصف بلدا بالوصف المتقدّم : « وكأنما كان بها جنون فبعث لها من عزائمه عزائم ، وعلَّق عليها من رؤوس القتلى تمائم » فإنه قد جاء في غاية الطَّلاوة خصوصا مع التورية الواقعة في ذكر العزائم مع ذكر الجنون ؛ وهذا في النظم والنثر الفائقين ولا عبرة بما عداهما . وناهيك بالنثر فضيلة أن اللَّه تعالى أنزل به كتابه العزيز ونوره المبين الذي * ( لا يَأْتِيه الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْه ولا مِنْ خَلْفِه ) * ( 1 ) ولم ينزله على صفة نظم الشعر بل نزّهه عنه بقوله * ( وما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ) * ( 2 ) وحرّم نظمه على نبيه محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم تشريفا لمحلَّه وتنزيها لمقامه منبها على ذلك بقوله * ( وما عَلَّمْناه الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَه ) * ( 3 ) وذلك أن مقاصد الشعر لا تخلو من

--> ( 1 ) سورة فصّلت / 2 . ( 2 ) سورة الحاقة / 41 . ( 3 ) سورة يس / 69 .