أحمد بن علي القلقشندي
87
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
المتعصبين قد رجّح كتابة الأموال على كتابة الإنشاء بمغالطات أوردها ، وتزويرات زخرفها ونمّقها ، لا تخفى على متأمل ، ولا تتغطَّى على ذي ذهن سليم . وقد أورد الحريريّ في « المقامة الثانية والعشرين » المعروفة بالفراتّية ألفاظا قلائل في المفاخرة بين كتابتي الإنشاء والأموال ، فقال على لسان أبي زيد السروجي : ( 1 ) . « إعلموا أن صناعة الإنشاء أرفع ، وصناعة الحساب أنفع ، وقلم المكاتبة خاطب ، وقلم المحاسبة حاطب ، وأساطير البلاغة تنسخ لتدرس ، ودساتير الحسبانات تنسخ وتدرس ، والمنشىء جهينة ( 2 ) الأخبار ، وحقيبة الأسرار ، ونجيّ العظماء ، وكبير النّدماء ، وقلمه لسان الدولة ، وفارس الجولة : ولقمان الحكمة ، وترجمان الهمّة ، وهو البشير والنذير ، والشفيع والسفير ؛ به تستخلص الصّياصي ( 3 ) ، وتملك النّواصي ، ويقتاد العاصي ، ويستدنى القاصي ؛ وصاحبه برئ من التّبعات ، آمن كيد السّعات ، مقرّظ بين الجماعات ، غير معرّض لنظم الجماعات ( 4 ) . ثم عقب كلامه بأن قال : « إلا أن صناعة الحساب موضوعة على التحقيق ، وصناعة الإنشاء مبنيّة على التلفيق ، وقلم الحاسب ضابط ، وقلم المنشىء خابط ؛ وبين إتاوة توظيف المعاملات ، وتلاوة طوامير السّجلَّات ، بون لا يدركه قياس ، ولا يعتوره
--> ( 1 ) المظهر بن سلار السروجي ، وهو الذي أنشأ الحريري مقاماته على لسانه . كان تلميذا للحريري في البصرة . توفي سنة 540 ه . ( الأعلام 7 / 253 ) . ( 2 ) أي الموثوق الأخبار . يقول العرب : « وعند جفينة الخبر اليقين » وفي رواية أخرى : وعند جهينة « المستقصى في أمثال العرب 2 / 169 ونهاية الأرب للقلقشندي 204 ) . ( 3 ) هي الحصون ( البستان 1 / 1380 ) . ( 4 ) قال دي ساسي : « غير معرض أي غير مكلَّف لنظم الجماعات : يعني جماعة مراسم أهل الأجناد وما تشتّت من وجوه الخرج والدخل في البلاد . والمراد بنظمها عقد حسابها وإثباتها في كتابها » . ( انظر مقامات الحريري : شرح دي ساسي ) .