أحمد بن علي القلقشندي
8
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بقلقشندة ( 1 ) ، إحدى قرى مديرية القليوبية بالديار المصرية : من أصل عربي صميم ، من بني بدر بن فزارة من قيس عيلان . وكان بنو فزارة وردوا مصر مع من وردها من العرب أيام الفتح الإسلامي وبعده ، ونزلوا بإقليم القليوبية ( 2 ) . وقد درس القلقشندي بالقاهرة والإسكندرية على أكابر شيوخ العصر ، وتخصص في الأدب والفقه الشافعي ، وبرع في علوم اللغة والبلاغة والإنشاء ؛ وفي سنة 778 ه أجازه الشيخ ابن الملقن ( 3 ) بالفتيا والتدريس على مذهب الإمام الشافعي . وقد تولى بعض الوظائف الإدراية إلى حين ؛ بيد أن براعته في الكتابة والإنشاء لفتت إليه أنظار رجال البلاط ، ومهدت له سبيل الاضطلاع بالمنصب الذي أهلته له مواهبه الأدبية والفنية ، وهو العمل في ديوان الإنشاء . ( وقد كان للمقر الفتحي بن فضل اللَّه العمري فضل كبير على القلقشندي بهذا الصدد ) . والتحق القلقشندي بخدمة هذا الديوان في سنة 791 ه ، في عهد السلطان الظاهر برقوق ( 784 ه - 801 ه ) ، وذلك حسبما يقول لنا القلقشندي نفسه في مقدمته ( 4 ) . وقد كانت لديوان الإنشاء أهمية خاصة في هذا العصر ، وكان على المرشّح للعمل فيه أن يكون من أقطاب النثر والبلاغة ، الذين تؤهلهم معارفهم الواسعة للوقوف على شؤون الحكم والسياسة الداخلية والخارجية وسير العلاقات الدبلو ماسية بين مصر وباقي الأمم ؛ كما كان على كاتب الإنشاء أن يتحلى بمجموعة من الصفات اللازمة له : كصباحة الوجه وفصاحة اللفظ وطلاقة اللسان . وإيثارة الجد على الهزل ، وتوقد الفهم وحسن الإصغاء . . . كما تطلبوا فيه كتمان السرّ ، الأمر الذي يصرّ القلقشندي على خطورته ويراه ضرورة لا يمكن التجاوز عنها فيمن يشغل وظيفة كاتب الإنشاء أو كاتب السرّ ، فيقول عنها « هذه الصفة هي الشرط اللازم والواجب
--> ( 1 ) ذكرها ياقوت باسم « قرقشندة » - معجم البلدان : 4 / 327 . ( 2 ) تحدث القلقشندي عن قبيلته التي ينتسب إليها في كتابه « نهارية الأرب » ص 167 وكذلك في « صبح الأعشى » 1 / 345 . ( 3 ) انظر الصبح الجزء 14 . ( 4 ) انظر مقدمة الصبح للقلقشندي . ص 8 من هذا المطبوع