أحمد بن علي القلقشندي
536
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
أعذرت إن أغنيت شيّا ، وأسمعت لو ناديت حيّا ، وقرعت عصا العتاب ، وحذّرت سوء العقاب : إنّ العصا قرعت لذي الحلم والشيء تحقره وقد ينمي فإن بادرت بالنّدامة ، ورجعت على نفسك بالملامة ، كنت قد اشتريت العافية لك بالعافية منك ؛ وإن قلت جعجعة ولا طحن ، فربّ صلف تحت الراعدة ، وأنشدت : لا يوئسنّك من مخدّرة قول تغلَّظه وإن حرجا فعدت لما نهيت عنه ، وراجعت ما استعفيت منه ، بعثت من يزعجك إلى الخضراء دفعا ، ويستحثّك نحوها وكزا وصفعا ، فإذا صرت إليها عبثت أكَّاروها ( 1 ) بك ، وتسلَّط نواطيرها عليك : فمن قرعة معوجّة تقوّم في قفاك ، ومن فجلة منتنة ترمى بها تحت خصاك ، ذلك بما قدّمت يداك ، لكي تذوق وبال أمرك ، وترى ميزان قدرك : فمن جهلت نفسه قدره رأى غيره منه ما لا يرى فلو لا المعرفة بالتاريخ ، والإحاطة بالوقائع والسيّر ، والأقاصيص ، والأمثال السائرة في معنى ذلك ، لما تأتّى للناثر الاقتدار على سبك هذه الوقائع ، والتلويح بمقتضياتها .
--> ( 1 ) أكاَّروها جمع أكاَّر وهو الحرّاث . ( القاموس 1 / 378 ) .