أحمد بن علي القلقشندي
349
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
قال أبوه فضحني ابنك اليوم قال كذا وكذا - فقالت إنما ابني صبيّ وأنت لا تحبه - فقال « أشبه امرؤ بعض بزّه » ( 1 ) فأرسلها مثلا . والبعيد من الفهم ، مثل قولهم « إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر » . وهو مثل يضرب لمن ينكر الأمر الظاهر عنادا . والأصل في ذلك كما ذكره ( 2 ) المفضّل بن سلمة الضبيّ أن بني ثعلبة بن سعد بن ضبّة في الجاهلية تراهنوا على الشمس ، فقالت طائفة : تطلع الشمس والقمر يرى ، وقالت طائفة : يغيب القمر قبل أن تطلع الشمس ، فتراضوا برجل جعلوه بينهم حكما ، فقال واحد منهم : إن قومي يبغون عليّ ، فقال الحكم : إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر ، فجرت مثلا . ومن المعلوم أن قول القائل إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر ، إذا أخذ على حقيقته من غير نظر إلى القرائن المنوطة به ، والأسباب التي قيل من أجلها ، لا يعطي من المعنى ما قد أعطاه المثل ، بل ما كان يفهم من هذا القول معنى يفيد لأن البغي هو الظلم ، والقمر ليس من شأنه أن يظلم أحدا ، فكان يصير معنى المثل - إن كان يظلمك قومك لا يظلمك القمر - وهو كلام مختل المعنى ليس بمستقيم . وقد أكثر الناس في تصنيف كتب الأمثال ، فمن ذلك الأمثال لأبي عبيد ، وهو مرتب على ترتيب الوقائع التي تقع فيها الأمثال . ومن ذلك أمثال الميداني ، وهي مرتبة على حروف المعجم وفي آخرها جملة من أيام حروب العرب ، إلى غير ذلك من كتب الأمثال المصنفة في هذا الباب : كأمثال الضبي ، والقمي ، وغيرها . وأما الأمثال الواردة نظما ، فهي كلمات استحسنت في الشعر ، وطابقت وقائع عامّة جارية بين الناس ، فتداولها الناس ، وأجروها مجرى الأمثال النثرية . وقد روي أن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، كان يتمثل بقول طرفة :
--> ( 1 ) في الجمهرة 1 / 25 والمستقصى 1 / 187 : « أشبه أمرأ بعض بزّه » . ( 2 ) أمثال العرب ص 124 وما بعدها .