أحمد بن علي القلقشندي
347
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فلجريهم على أسلوب العرب ، وركوب جادّتهم ؛ وأما المحدثين فللطافة مأخذهم ، واستطراف ما يأتون به مما يجري مجرى النثر والنظم : من الأمثال الموضوعة على ألسنة الحيوان عن العرب وغيرهم ؛ فيستشهد به في موضعه ، ويورده في مكانه عارفا بأصل ذلك وما بني عليه ، وذلك أن المثل له مقدّمات وأسباب قد عرفت ، وصارت مشهورة بين الناس معلومة عندهم ؛ وهذه الألفاظ الواردة في المثل دالة عليها ، معبرة عن المراد بها ، بأخصر لفظ وأوجزه ، ولولا تلك المقدّمات المعلومة ، والأسباب المعروفة ، لما فهم من هذه الألفاظ القلائل تلك الوقائع المطوّلات ؛ وأما الأمثال الواردة نثرا ، فإنها كلمات مختصرة ، تورد للدلالة على أمور كلية مبسوطة ، كما تقدّمت الإشارة إليه ، وليس في كلامهم أوجز منها . ولما كانت الأمثال كالرموز والإشارة التي يلوّح بها على المعاني تلويحا ، صارت من أوجز الكلام وأكثره اختصارا . وحيث كانت بهذه المكانة لا ينبغي الإخلال بمعرفتها ، قال صاحب العقد « والأمثال هي وشي الكلام ، وجوهر اللفظ ، وحلي المعاني ، والتي تخيّرتها العرب ، وقدّمتها العجم ، ونطق بها في كل زمان على كل لسان ، فهي أبقى من الشعر ، وأشرف من الخطابة ، لم يسر شيء كسيرها ، ولا عمّ عمومها ، حتّى قالوا : أسير من مثل ، قال الشاعر : ما أنت إلَّا مثل سائر يعرفه الجاهل والخابر وقد ضرب اللَّه تعالى الأمثال في كتابه فقال * ( ضَرَبَ الله مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها فِي السَّماءِ ) * ( 1 ) ، وقال تعالى * ( ضَرَبَ الله مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَنْ رَزَقْناه مِنَّا رِزْقاً حَسَناً ) * ( 2 ) الآية ، وقال * ( وضَرَبَ الله مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاه أَيْنَما يُوَجِّهْه لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ ومَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) * ( 3 ) الآية ،
--> ( 1 ) سورة إبراهيم / 24 . ( 2 ) سورة النحل / 75 . ( 3 ) سورة النحل / 76 .