أحمد بن علي القلقشندي
314
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فالمعنى والفصل واحد ، والألفاظ مختلفة . وكذلك ما يجري هذا المجرى وما في معناه . قلت : ولا ينهض بمثل ذلك إلا من رسخت في صنعة الكتابة قدمه ، وامتزج بأجزاء الفصاحة والبلاغة لحمه ودمه ؛ وهذا المنهج هو أحد أنواع الإعجاز في القرآن الكريم ، فإن القصّة الواحدة تتكرر فيه مرارا في سور متعدّدة ، ترد في كل سورة بلفظ وتركيب غير الذي وردت به في الأخرى ، مع استيفاء حدّ البلاغة ونهاية أمد الفصاحة ؛ ولذلك قلّ من سلك هذا المنهج ، أو ارتقى هذه الذّروة ، وقد أتى علي بن حمزة بن طلحة ( 1 ) في كتابه « الاقتداء بالأفاضل » من ذلك بالعجب العجاب ، فإنه قد استحسن كلام الخطيب ابن نباتة الفارقي ( 2 ) ، والأمير قابوس الخراساني ( 3 ) ، والوزير أبي القاسم المقري ( 4 ) ، والصاحب بن عباد ( 5 ) ، وأبي إسحاق الصابي ( 6 ) ، الذين هم رؤساء الكتابة ، وأئمة الخطابة ، من الرسائل والعهود البديعة ، والخطب الموجزة الرائقة ، فجرّد معانيها من ألفاظها ، واخترع لها ألفاظا غير ألفاظها ، مع زيادة تنميق ، ومراعاة ترصيف ، على أتم نظام ، وأحسن التئام .
--> ( 1 ) لغوي ، من العلماء بالأدب . له كتب منها : « التنبيهات على أغاليط الرواة » وغيرها . توفي سنة 375 ه ( الأعلام 4 / 283 ) . ( 2 ) ونسبته إلى « ميافارقين » بديار بكر : صاحب الخطب المنبرية . سكن حلب واجتمع مع المتنبي في خدمة سيف الدولة . ( الأعلام 3 / 347 ) . ( 3 ) يلقّب بشمس المعالي : أمير جرجان وبلاد الجبل وطبرستان . نابغة في الأدب والإنشاء . توفي سنة 403 ه . ( الأعلام 5 / 170 ) . ( 4 ) الذي وجدناه هو الوزير أبو القاسم المعرّي ، بالعين المعجمة ، وقد ذكره أسامة بن منقذ في لباب الآداب . وهو الحسن بن عبد اللَّه بن محمد ، أبو القاسم التنوخي المعرّي الحنفي المتوفى سنة 419 ه . وله مصنفات ووصايا وأشعار . ( لباب الآداب 327 ومعجم البلدان 5 / 156 ) . ( 5 ) استوزره مؤيد الدولة ، ابن بويه الديلمي ؛ وقد غلب عليه الأدب . لقب بالصاحب لصحبته مؤيد الدولة في صباه ( الأعلام 1 / 316 ) . ( 6 ) سبق التعريف به في الصفحة 234 من هذا الجزء .