أحمد بن علي القلقشندي

309

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

حاشى النبيّ لقد هددت قواءنا ( 1 ) فالحقّ أصبح خاضعا للباطل فقال معاوية : قاتلك اللَّه فما تركت مقالا لقائل اذكري حاجتك ! قالت أما الآن فلا ، وقامت فعثرت ، فقالت تعس شانيء عليّ ! فقال زعمت أن لا ؛ قالت هو كما علمت ؛ فلما كان من الغد بعث إليها بجائزة ، وقال إذا ضيّعت الحلم فمن يحفظه . ومن ذلك أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عديّ بن أرطاة : ( 2 ) أن اجمع بين إياس بن معاوية ( 3 ) والقاسم بن ربيعة ( 4 ) فولّ القضاء أنفذهما ، فجمع بينهما ، وكانا غير راغبين في القضاء . فقال إياس : أيها الرجل سل عني وعن القاسم فقيهي المصر الحسن وابن سيرين ( 5 ) ، وكان القاسم يأتي الحسن وأبن سيرين ، وإياس لا يأتيهما ، فعلم القاسم أنه إن سألهما عنه أشارا به ، فقاله : لا تسأل عني ولا عنه ، فو اللَّه الذي لا إله إلا هو إن إياس بن معاوية أفقه مني وأعلم بالقضاء ، فإن كنت كاذبا فما أشير عليك أن توليني وأنا كاذب ، وإن كنت صادقا فينبغي لك أن تقبل قولي - قال له إياس : إنك جئت برجل فوقفت به على شفير جهنم فنجّى نفسه منها بيمين كاذبة يستغفر اللَّه منها وينجو مما كان - قال له عديّ : أما إذ فهمتها فأنت لها فاستقضاه . ومن ذلك : ما حكاه صاحب العقد عن زياد عن مالك بن أنس قال

--> ( 1 ) جمع القوة قوى . وقد جاءت الهمزة زائدة للضرورة الشعرية . أما القواء بفتح القاف فهو القفر الخالي من الأرض . وهي غير مناسبة هنا ( اللسان 5 / 211 ) . ( 2 ) أمير من أهل دمشق . ولَّاه عمر بن عبد العزيز البصرة . وكان من العقلاء الشجعان . قتله معاوية بن يزيد بن المهلب سنة 102 ه ( الأعلام 4 / 219 ) . ( 3 ) قاضي البصرة وأحد أعاجيب الدهر في الفطنة والذكاء . يضرب المثل بذكائه . ( 4 ) هو القاسم بن ربيعة الغطفاني الجوشني . تابعي . روى عن عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر . وكان الحسن البصري إذا سئل عن شيء من النسب يقول : عليكم بالقاسم ابن ربيعة . ( تهذيب الأسماء واللغات 2 / 53 ) . ( 5 ) الحسن هو الحسن البصري . وابن سيرين هو محمد بن سيرين البصري ، إمام وقته في علوم الدين بالبصرة . تابعي من أشراف الكتاب . ( الأعلام 6 / 154 ) .