أحمد بن علي القلقشندي

30

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وصحبه الذين قلَّدوا أمور الدين فقاموا بواجبها . وحمّلوا أعباء الشريعة فانتشرت بهم في مشارق الأرض ومغاربها . صلاة تسطَّر في الصحف ، وتفوق بهجتها الروض الأنف . وبعد فلما كانت الكتابة من أشرف الصنائع ( 1 ) وأرفعها . وأربح البضائع وأنفعها . وأفضل المآثر وأعلاها . وآثر الفضائل وأغلاها . لا سيما كتابة الإنشاء التي هي منها بمنزلة سلطانها . وإنسان ( 2 ) عينها بل عين إنسانها . لا تلتفت الملوك إلا إليها . ولا تعوّل في المهمات إلا عليها . يعظَّمون أصحابها ويقرّبون كتّابها . فحليفها أبدا خليق بالتقديم . جدير بالتبجيل والتكريم . تسرّ مجانيها ( 3 ) إذا ما جنى الظَّما وتروي مجاريها إذا بخل القطر وكانت الديار المصرية ، والمملكة اليوسفية ( 4 ) ، أعز اللَّه تعالى حماها ! وضاعف علاها ! قد تعلقت من الثريّا بأقراطها ، ورجحت سائر الأقاليم بقيراطها ( 5 ) . بشّر بفتحها الصادق الأمين ، فكانت أعظم بشرى . وأخبر سيد المرسلين أن لأهلها نسبا وصهرا ( 6 ) . فتوجهت إليها عزائم الصحابة زمن

--> ( 1 ) اعتبر العرب الكتابة من الصناعات ؛ فقيل : صناعة الكتابة وصناعة الإنشاء وجاء في تعريف ابن منظور : والكتابة لمن تكون له صناعة مثل الصباغة والحياكة ( 1 / 698 ) . ( 2 ) إنسان العين وجمعه أناسيّ ، ولا يجمع على أناس . وهو المثال الذي يرى في سواد العين . ( اللسان 6 / 13 ) . ( 3 ) المجاني : ما يجنى من الثمار ( البستان 1 / 419 ) . ( 4 ) ويعني بلاد مصر . ( 5 ) القيراط من الوزن وهو نصف دانق . وأهل الشام يجعلونه جزءا من أربعة وعشرين . وفي حديث أبي ذرّ : ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لها ذمة ورحما . وأراد بالأرض المستفتحة مصر ، إذ كان يغلب على أهلها أن يقولوا : أعطيت فلانا قراريط إذا أسمعه ما يكرهه ، ولا يوجد ذلك في كلام غيرهم . ( اللسان 7 / 375 وما بعدها ) . ( 6 ) أي تربطنا بها القرابة والمصاهرة ؛ إشارة إلى زواج النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم من المصرية ماريا القبطية التي كان قد أهداها إليه المقوقس ، صاحب مصر .