أحمد بن علي القلقشندي
297
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
غير ذلك فعلت - قال لا أشاء ذلك . ثم التفت إلى أصحابه فقال أيكم يحفظ كلام أمّ الخير ؟ فقال رجل من القوم أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظي سورة الحمد - قال هاته - قال : نعم كأني بها يا أمير المؤمنين في ذلك اليوم عليها برد زبيديّ كثيف الحاشية ، وهي على جمل أرمك ( 1 ) وقد أحيط حولها ، وبيدها سوط منتشر الظفر ( 2 ) وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول : * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) * ( 3 ) . إن اللَّه قد أوضح الحقّ ، وأبان الدليل ، ونوّر السبيل ، ورفع العلم ، فلم يدعكم في عمياء مبهمة ، ولا سوداء مدلهمّة فإلى أين تريدون رحمكم اللَّه . أفرارا عن أمير المؤمنين ، أم فرارا من الزّحف ، أم رغبة عن الإسلام ، أم ارتدادا عن الحق . أما سمعتم اللَّه عز وجل يقول : * ( ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ والصَّابِرِينَ ونَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ) * ( 4 ) . ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول : قد عيل الصبر ، وضعف اليقين ، وانتشرت الرّغبة ، وبيدك يا رب أزمّة القلوب فاجمع الكلمة على التقوى ، وألَّف القلوب على الهدى ، هلمّوا رحمكم اللَّه إلى الإمام العادل ، والوصيّ الوفيّ ، والصدّيق الأكبر ! إنها إحن بدريّة ، وأحقاد جاهلية ، وضغائن أحدية ، وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك بها ثارات بني عبد شمس . ثم قالت * ( فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ) * ( 5 ) . صبرا معشر المهاجرين والأنصار ، قاتلوا على بصيرة من ربكم ، وثبات من
--> ( 1 ) جمل أرمك أي لونه إلى السواد ( اللسان 10 / 434 ) . ( 2 ) لعله الضفر ، بالضاد المعجمة ، أي القتل . ( 3 ) سورة الحج / 1 . ( 4 ) سورة محمد / 31 . ( 5 ) سورة التوبة / 12 .