أحمد بن علي القلقشندي

295

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ويستهزئون به * ( الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) * ( 1 ) فأكبرت ذلك رجالات من قريش فحنت قسيّها وفوّقت سهامها وانتثلوه غرضا ( 2 ) ، فما فلَّوا له صفاه ( 3 ) ، ولا قصفوا له قناة ، ومرّ على سيسائه ( 4 ) حتّى إذا ضرب الدّين بجرانه ( 5 ) ، ورست أوتاده ، ودخل الناس فيه أفواجا ، ومن كل فرقة أرسالا وأشتاتا ، اختار اللَّه لنبيّه ما عنده ؛ فلما قبض اللَّه نبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ضرب الشّيطان رواقه ، ومدّ طنبه ، ونصب حبائله ، وأجلب بخيله ورجله ، واضطرب حبل الإسلام ، ومرج عهده وماج أهله ، وبغي الغوائل ، وظنّت رجال أن قد أكثبت أطماعهم نهزها ( 6 ) ولات حين الذين يرجون ، وأنّى والصدّيق بين أظهرهم . فقام حاسرا مشمّرا ، فجمع حاشيتيه ورفع قطريه ، فردّ رسن الإسلام على غربه ، ولمّ شعثه بطبّه ، وانتاش الدين فنعشه ، فلما أراح الحقّ على أهله ، وقرّر الرؤوس على كواهلها ، وحقن الدماء في أهبها ، أتته منيته ، فسدّ ثلمته بنظيره في الرحمة ، وشقيقه في السّيرة والمعدلة . ذاك ابن الخطاب للَّه درّ أمّ حملت به ودرّت عليه ! لقد أوجدت به ، ففنّخ الكفرة ودبّخها ( 7 ) ، وشرّد الشّرك شذر مذر ، وبعج الأرض وبخعها فقاءت أكلها ، ولفظت خبأها ( 8 ) ، ترأمه ويصدف عنها ، وتصدّى له ويأباها . ثم وزّع فيها فيأها وودّعها كما صحبها .

--> ( 1 ) سورة البقرة / 15 . ( 2 ) جعلوه مرمى لسهامهم . ( اللسان 11 / 645 ) . ( 3 ) الصّفاة هي الصخرة الملساء . ولا تقرع لهم صفاة أي لا ينالهم أحد بسوء . ( اللسان 14 / 464 ) . ( 4 ) السّيساء : المركب الصعب . وفي الحديث : حملتنا العرب على سيسائها أي حملتنا على ظهر الحرب وحاربتنا . ( اللسان 6 / 109 ) . ( 5 ) أي استقام الدين وقرّ في قراره . ( اللسان 13 / 86 ) . ( 6 ) أكثبت : قرّبت وأدنت . ونهزها أي فرصها . والمقصود أنهم توهموا أن الفرص قد حانت واقتربوا من تحقيق أطماعهم في الخلافة أو في الارتداد عن الدين . ( اللسان 5 / 421 و 1 / 702 ) . ( 7 ) فنّخ الكفرة : أذلها وقهرها . ودبّخها أي طأطأ رؤوسها . ( اللسان 3 / 14 - 46 ) . ( 8 ) أي قهر أهلها وأذلهم واستخرج ما فيها من الكنوز وأموال الملوك . ( اللسان 8 / 5 ) .