أحمد بن علي القلقشندي
292
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
عهد ، لشفيت غيظي بخنصري وبنصري ، وخضت لجّته بأخمصي ومفرقي ، ولكنني ملجم إلى أن ألقى اللَّه ربي ، وعنده أحتسب ما نزل بي . وإني غاد إلى جماعتكم ، مبايع صاحبكم ، صابر على ما ساءني وسرّكم * ( لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كانَ مَفْعُولًا ) * * ( 1 ) . قال أبو عبيدة : فعدت إلى أبي بكر رضي اللَّه عنه فقصصت عليه القول على غرّه ( 2 ) ، ولم أختزل شيئا من حلوه ومرّه ، وبكَّرت غدوة إلى المسجد ، فلما كان صباح يومئذ وإذا عليّ مخترق الجماعة إلى أبي بكر رضي اللَّه عنهما ، فبايعه ، وقال خيرا ، ووصف جميلا ، وجلس زميتا ( 3 ) ، واستأذن للقيام فمضى وتبعه عمر مكرما له ، مستأثرا لما عنده . فقال عليّ رضي اللَّه عنه : ما قعدت عن صاحبكم كارها ، ولا أتيته فرقا ، ولا أقول ما أقول تعلة . ولئنّي لأعرف منتهى طرفي ومحطَّ قدمي ومنزع قوسي ، وموقع سهمي ؛ ولكن قد أزمت ( 4 ) على فأسي ثقة بربي في الدنيا والآخرة . فقال له عمر رضي اللَّه عنه : كفكف غربك ( 5 ) ، واستوقف سربك ، ودع العصيّ بلحائها ، والدّلاء على رشائها . فإنا من خلفها وورائها ، إن قدحنا أورينا ، وإن متحنا أروينا ، وإن قرحنا أدمينا ، ولقد سمعت أماثيلك التي لغزت بها عن صدر أكل بالجوى ، ولو شئت لقلت على مقالتك ما إن سمعته ندمت على ما قلت . وزعمت أنك قعدت في كنّ بيتك لما وقذك به رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم
--> ( 1 ) سورة الأنفال / 42 . ( 2 ) جاء في اللسان : طويت الثوب على غرّه أي على كسره الأول . ونقلت القول على غرّه أي كما هو على أصله . ( اللسان 5 / 19 ) . ( 3 ) أي حليما وقورا . ( اللسان 2 / 35 ) . ( 4 ) أزم أي عضّ وقبض . يقال : أزم الفرس على فأس اللجام : قبض عليه . ( اللسان 12 / 16 ) . ( 5 ) الغرب : الذهاب والتنحي عن الناس . ( اللسان 1 / 638 ) .