أحمد بن علي القلقشندي
289
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
مشوبة بنكر . ولسنا كجلدة رفغ ( 1 ) البعير بين العجان ( 2 ) والذنب ، وكل صال فبناره ، وكل سيل إلى قراره . وما كان سكوت هذه العصابة إلى هذه الغاية لعيّ وشيّ ، ولا كلامها اليوم لفرق أو رفق . وقد جدع اللَّه بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلم أنف كلّ ذي كبر ، وقصم ظهر كل جبّار ، وقطع لسان كل كذوب ، فماذا بعد الحقّ إلَّا الضّلال . ما هذه الخنزوانة ( 3 ) التي في فراش رأسك ؟ ما هذا الشّجا المعترض في مداج أنفاسك ؟ ما هذه القذاة التي تغشّت ناظرك ؟ وما هذه الوحرة ( 4 ) التي أكلت شراسيفك ( 5 ) ؟ وما هذا الذي لبست بسببه جلد النّمر ، واشتملت عليه بالشحناء والنّكر ، ولسنا في كسرويّة كسرى ، ولا في قيصريّة قيصر ! تأمل لإخوان فارس وأبناء الأصفر ! قد جعلهم اللَّه جزرا لسيوفنا ، ودريئة لرماحنا ، ومرمى لطعاننا ، وتبعا لسلطاننا ؛ بل نحن في نور نبوّة ، وضياء رسالة ، وثمرة حكمة ، وأثرة رحمة ، وعنوان نعمة ، وظل عصمة ، بين أمّة مهديّة بالحق والصدق ، مأمونة على الرّتق والفتق ، لها من اللَّه قلب أبيّ ، وساعد قويّ ، ويد ناصرة ، وعين باصرة . أتظن ظنّا يا عليّ أن أبا بكر وثب على هذا الأمر مفتاتا على الأمة خادعا لها ، أو متسلطا عليها ؟ أتراه حلّ عقودها وأحال عقولها ؟ أتراه جعل نهارها ليلا ، ووزنها كيلا ، ويقظتها رقادا ، وصلاحها فسادا ؛ لا واللَّه سلا عنها فولهت له ، وتطامن لها فلصقت به ، ومال عنها فمالت إليه ، واشمأزّ دونها فاشتملت عليه ، حبوة حباه اللَّه بها ، وعاقبة بلَّغه اللَّه إليها ، ونعمة سربله جمالها ، ويد أوجب اللَّه عليه شكرها ، وأمّة نظر اللَّه به إليها . واللَّه أعلم بخلقه ، وأرأف بعباده ، يختار ما كان لهم الخيرة . وإنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ولا يجحد
--> ( 1 ) أصول الفخذين من باطن . ( اللسان 8 / 429 ) . ( 2 ) الاست . ( اللسان 13 / 278 ) . ( 3 ) الخنزوانة أي الكبر . ( اللسان 5 / 347 ) . ( 4 ) الوحرة ، بالتحريك : دويبة حمراء تلتزق بالأرض ، وهي سامة . ( اللسان 5 / 280 ) . ( 5 ) الشراسيف أطراف أضلاع الصدر . ( اللسان 9 / 175 ) .