أحمد بن علي القلقشندي

274

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وأنت كاره ، ولم تكن لأحد منهم أشدّ حسدا منك لابن عمّك عثمان ، وكان أحقّهم أن لا تفعل ذلك به ، في قرابتته وصهره ، فقطعت رحمه ، وقبّحت محاسنه ، وألَّبت عليه الناس حتّى ضربت إليه آباط الإبل ، وشهر عليه السلاح في حرم الرسول ، فقتل معك في المحلة وأنت تسمع في داره الهائعة ( 1 ) ، لا تؤدّي عن نفسك في أمره بقول ولا فعل برّ . أقسم قسما صادقا ! لو قمت في أمره مقاما واحدا تنهينّ الناس عنه ، ما عدل بك ممن قبلنا من الناس أحد ، ولمحا ذلك عنك ما كانوا يعرفونك به : من المجانبة لعثمان والبغي عليه . وأخرى أنت بها عند أولياء ابن عفّان ضنين ، إيواؤك قتلة عثمان ، فهم بطانتك ، وعضدك وأنصارك . فقد بلغني أنك تنتفي من دمه فإن كنت صادقا فادفع إلينا قتلته نقتلهم به . ثم نحن أسرع الناس إليك ، وإلا فليس لك ولا لأصحابك عندنا إلا السيف ! والذي نفس معاوية بيده لأطلبنّ قتلة عثمان في الجبال ، والرمال ، والبر ، والبحر ، حتّى نقتلهم أو تلحق أرواحنا باللَّه ! . فكتب إليه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه في جواب ذلك : أما بعد فقد أتاني كتابك ، تذكر فيه اصطفاء اللَّه تعالى محمدا صلى اللَّه عليه وسلَّم لدينه وتأييده إياه بمن أيّده به من أصحابه ، فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا ! أفطفقت تخبرنا بآلاء اللَّه عندنا ، فكنت كناقل التمر إلى هجر ( 2 ) أو داعي مدرة ( 3 ) إلى النّضال ، وزعمت أن أفضل الناس في الإسلام فلان وفلان فذكرت أمرا إن تم

--> ( 1 ) الهائعة : الصوت المفزع . ويقال أيضا : الهيعة : ( القاموس 3 / 104 ) . ( 2 ) جاء في اللسان : هجر بلد معروف في البحرين . ويقول العرب : كجالب التمر إلى هجر . وفي المثل : كمبضع تمر إلى هجر . وفي جمهرة الأمثال للعسكري والمستقصى للزمخشري : كمستبضع التمر إلى هجر . وقيل : كمستبضع تمرا إلى خيبر . وهجر كانت معدن التمر قبل العراقين ، أي الكوفة والبصرة . ( اللسان 5 / 257 ) وجمهرة الأمثال 2 / 153 والمستقصى 2 / 233 ) . ( 3 ) المدرة هو المقدّم في القتال وزعيم القوم وخطيبهم . ( القاموس 2 / 136 واللسان 5 / 162 ) .