أحمد بن علي القلقشندي
263
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
كنانته بين يديه فعجم عيدانها ( 1 ) عودا عودا ، فوجدني أمرّها عودا ، وأشدّها مكسرا ، فوجهّني إليكم ورماكم بي يا أهل الكوفة ، أهل الشّقاق والنفاق ، ومساوي الأخلاق : لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة ، واضطجعتم في منام الضّلال ، وسننتم سنن الغيّ ، وأيم اللَّه لألحونّكم لحو العود ( 2 ) ، ولأقرعنّكم قرع المروة ( 3 ) ، ولأعصبنّكم عصب السلمة ( 4 ) ، ولأضربنّكم ضرب غريبة ( 5 ) الإبل . إني واللَّه لا أحلف إلَّا صدقت ، ولا أعد إلَّا وفيت . إيّاي وهذه الزّرافات ، وقال وما يقول ، وكان وما يكون . وما أنتم وذاك يأهل العراق . إنما أنتم أهل قرية كانت آمنة مطمئنّة يأتيها رزقها رغدا من كلّ مكان فكفرت بأنعم اللَّه ، فأتاها وعيد القرى من ربها . فاستوثقوا واعتدلوا ولا تميلوا ، واسمعوا وأطيعوا ، وشايعوا وبايعوا . واعلموا أن ليس مني الإكثار والإهذار ، ولا مع ذلك النّفار ولا الفرار ؛ إنما هو انتضاء هذا السيف ، ثم لا يغمد الشتاء ولا الصيف ، حتى يذلّ اللَّه لأمير المؤمنين عزّتكم ، ويقيم له أودكم وصعركم ( 6 ) . ثم إني وجدت الصدق من البرّ ، ووجدت البرّ في الجنّة ، ووجدت الكذب من الفجور ، ووجدت الفجور في النار . وإن أمير المؤمنين أمرني أن أعطيكم أعطياتكم ، وأشخصكم لمجاهدة عدوّكم وعدوّ أمير المؤمنين ؛ وقد أمرت لكم بذلك وأجّلتكم ثلاثا ، وأعطيت اللَّه عهدا يؤاخذني به ويستوفيه منّي : لئن
--> ( 1 ) أي استعرض رجاله وسواعده فاختارني من بينهم . وعجم العود أي اختبر صلابته بأن يضغط عليه بين أسنانه . ( 2 ) في بعض الروايات : لحو العصا . ولحو العصا أو العود هو إزالة قشرته . ( اللسان 15 / 241 ) . ( 3 ) المروة : الحجر الصلب يضرب بعضه ببعض فتخرج منه النار ، وإذا كان حادا يستعمل للذبح . ( اللسان 15 / 275 ) ( 4 ) السّلمة نوع من الشجر . وعصب الشجرة : ضمّ ما تفرق منها بحبل ثم خبطها ليسقط ورقها . ( اللسان 12 / 297 و 1 / 603 ) . ( 5 ) في روايات أخرى : غرائب الإبل . ( 6 ) الصّعر هو الميل في الخدّ والوجه علامة التكبّر أو المعصية . ( اللسان 4 / 456 ) .