أحمد بن علي القلقشندي
249
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فأما الاستشهاد فهو أن يضمن الكلام شيئا من الحديث ، وينبه عليه : كقول أبي إسحاق الصابي في وصية عهد من خليفة السلطان : وأن يقوم بما يعقده الرجل من عرض المسلمين ، فإن ذمته ذمة جميع المؤمنين ، وقد قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلَّم : « المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم » . وكما كتب بعض الكتاب في صدر كتاب لديوان الخلافة : والحمد للَّه على أن صار إلى أمير المؤمنين ميراث الطاهرين من آبائه ، وخصه بما حاز له من جزيل الفضل وحبائه ، وحقق للدولة العباسية وعد النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم إذ يقول لعمه العباس رضوان اللَّه عليه « ألا أبشرك يا عم ! بي ختمت النبوة وبولدك تختم الخلافة » وكقوله من عهد آخر : وأمره أن يضع الرصد على من يختار ( 1 ) في الحمالة من أباق العبيد ، والاحتياط عليهم وعلى ما يكون معهم ، إلى أن قال : وأن يعرفوا اللقط ( 2 ) ويتبعوا أثرها ، ويشيعوا خبرها ، فإذا حضر صاحبها وعلم أنه مستوجبها ، سلمت إليه ، ولم يعترض فيها عليه . واللَّه جل وعز يقول : * ( إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) * ( 3 ) . ورسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلَّم يقول : « ضالة المؤمن حرق النار » ( 4 ) إلى غير ذلك من الاستشهادات . وأما الاقتباسات فهو أن يضمن الكلام شيئا من الحديث ولا ينبه عليه . فمن ذلك ما ذكره الحريري في مقاماته من قوله : وكتمان الفقر زهاده وانتظار الفرج بالصبر عباده . وقوله : شاهت الوجوه ، وقبح الهكع ( 5 ) ومن يرجوه .
--> ( 1 ) لعله : على من يجتاز في العمالة كما في حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) أي ما عثر عليه والتقط في الطريق من الأشياء الثمينة . ( 3 ) سورة النساء / 58 . ( 4 ) كان ذلك جواب الرسول الأعظم على سؤال السائل إذ سأله عن ضوال الإبل ( الإبل الضالة ) فنهاه عن أخذها وحذره النار إن تعرض لها . ( اللسان 11 / 392 ) . ( 5 ) في اللسان : الهكوع هو النوم والاسترخاء . والهكع هو شهوة الناقة للضراب . والهكعة والهكعة الأحمق . ( اللسان 8 / 374 ) .