أحمد بن علي القلقشندي

227

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

مثلي ، أظهر فيها من شهد ألفاظه وجواهر معانيه ما حلا وحلى ، ولم يدع للحلي في بهجتها محلا ، وأحسن التذييل والترشيح ( 1 ) والتهكم عليه ، من غير التفات لما أهمله ولم يتعرض إليه ؛ وعادت المعاني تأوي من حسن تصرفه إلى ركن شديد ، وتحوي بشبا ( 2 ) أقلامه كل ما رامه من تأبيد التأييد ؛ وتلقي مقاليدها منه إلى ملي بحسن التحيل والتحول في نظمه ونثره ، وتحكم لمن حكم له بكمال وصفه ووصف كماله بأنه نسيج وحده وفريد عصره ؛ وأجرى في حلبة البديع جياد أقلامه فحاز قصب الرهان ، وأصفى لها موارد النفس فارتوت واستخرجت من ظلماته جواهر البيان ، ونطقت بما هو المألوف من غرائب حكمه الحسان ؛ وتأملتها فوجدتها قد أجاد فيها براعة المطلع ، وبالغ في تحسين المنزع ( 3 ) والمقطع ، ودخل جنان الجناس فاجتنى من قطوفها الدانية ما راق ، واطردت له أنهارها فاستطرد منها في أعلى الطباق ؛ وقابل وجوه حورها أحسن المقابلة ، آمنا فيها من الاشتراك والمماثلة ، وأوضح الفروق بين التورية والإبهام ، والتوجيه والاستخدام ، وأبان في التتميم نقص أبي تمام ، وأوجب في إبهامه عقد الخناصر على نظمه ، وفوّض بنزاهته التسليم له وطلب سلمه ، ولم يقنع بما فيه الاكتفاء من التذييل والتذنيب ، بل أتى في الاستدارك على من تقدمه بالعجب العجيب ، معتمدا في تكميل مقاصده الاقتصار والإيجاز ، ولو ادعى الإعجاز على الحقيقة لا المجاز لجاز ؛ وتحققت أن ليس له في هذا الفن مقاو ولا مقاوم ، ولا مساو ولا مساوم ، فكم جلب من بحر براعته درة أشرقت في ليالي الفترة المسودة ، وكم حلب من ثدي يراعته درة ( 4 ) لها ألف زبدة ، وكم بلغ الناظر من وصف بيانه مجمع

--> ( 1 ) الترشيح : الاستعارة التي قرنت بما يلائم المستعار منه . ( الإيضاح للقزويني ص 308 ) . ( 2 ) حد أقلامه وطرفها ( اللسان 14 / 419 ) . ( 3 ) يقال : انتزع بالآية والشعر أي تمثل . ولعل المقصود هنا الاستشهاد والتمثل . ( انظر اللسان 8 / 350 ) . ( 4 ) بكسر الدال وهي اللبن إذا كثر وسال . وفي هامش الطبعة الأميرية : هيئة الدر وكثرته ، وهذا المعنى ليس هو المقصود في النص . ( انظر اللسان 4 / 279 ) .