أحمد بن علي القلقشندي
187
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بين اللَّمى ( 1 ) واللَّطع ( 2 ) ثم قال : « وأيّ مقام أخزى لصاحبه من رجل من الكتّاب اصطفاه بعض الخلفاء ، وارتضاه لسرّه ، فقرأ عليه يوما كتابا فيه مطرنا مطرا كثر عنه الكلأ ، فقال له الخليفة ممتحنا له : وما الكلأ ؟ فتردّد في الجواب ، وتعثّر لسانه ثم قال : لا أدري ؛ فقال : سل عنه » قال أبو القاسم الزجاجيّ في شرح مقدّمة أدب الكاتب : وهذا الخليفة هو المعتصم والكاتب أحمد بن عمّار ، وكان يتقلَّد العرض عليه ؛ وكان المعتصم ضعيف البصر بالعربية ؛ فلما قرأ عليه أحمد بن عمّار الكتاب وسأله عن الكلإ فلم يعرفه ، قال : إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون ! خليفة أميّ ، وكاتب عامّيّ ؛ ثم قال : من يقرب منّا من كتّاب الدار ؟ فعرّف مكان محمد بن عبد الملك الزيات ، وكان يقف على قهرمة ( 3 ) الدار فأمر بإشخاصه ، فلما مثل بين يديه ، قال له ما الكلأ ؟ قال : النبات كلَّه رطبه ويابسه ، فإذا كان رطبا قيل له خلَّا ، وإذا كان يابسا قيل له حشيش ، وأخذ في ذكر النبات من ابتدائه إلى اكتهاله إلى هيجه ، فقال المعتصم « ليتقلَّد هذا العرض علينا » . ثم خصّ به حتّى استوزره . فقد ظهر أن معرفة الغريب من الأمور الضرورية للكاتب التي هي من أهم شأنه ، وأعنى مقاصده . وجلّ كتب اللغة المصنّفة في شأنها راجعة إليه ، كصحاح الجوهريّ ( 4 ) ، ومحكم ابن سيده ( 5 ) ، ومجمل ابن فارس ( 6 ) وغيرها
--> ( 1 ) سمرة الشفتين واللثاث ( اللسان 15 / 258 ) . ( 2 ) رقّة الشفة وقلة لحمها . ( اللسان 8 / 319 ) . ( 3 ) حيث يقف الخادم أو الحارس ومن في معنى ذلك . والقهرمان والقهرمانة هما الخادم والخادمة . وقد جاء في كلام النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « المرأة ريحانة وليست قهرمانة » . ( 4 ) هو إسماعيل بن حماد ، أول من حاول الطيران ومات في سبيله ، لغوي من الأئمة . اشهر كتبه « الصحاح » وله كتاب في العروض ومقدمة في النحو . توفي سنة 393 ه . ( الأعلام 1 / 313 ) . ( 5 ) ابن سيده : هو علي بن إسماعيل ؛ إمام في اللغة والأدب . ولد بمرسية وانتقل إلى دانية فتوفي بها سنة 458 ه . كان ضريرا واشتغل بنظم الشعر مدة . ( الأعلام 4 / 263 - 264 ) . ( 6 ) هو أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي ، صاحب « مقاييس اللغة » . من أئمة اللغة والأدب . قرأ عليه البديع الهمذاني والصاحب بن عباد . توفي سنة 395 ه بالريّ . ( الأعلام 1 / 193 ) .