أحمد بن علي القلقشندي

136

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ويستقر ( 1 ) بترهيبه عن المعصية والمشاققة ( 2 ) ، ويقرّ بأوامره ونواهيه أمور سلطانه ، وينزلها منازلها في متمهد مجالسها ، ويتمكن من سياسة أجناده ، وعمارة بلاده ، ومصلحة رعيته ، واجتلاب مودّتهم ، واستخلاص نياتهم ، وعينه التي تلاحظ أحوال سلطانه ، ويرعيها مهمات شانه ، وأذنه التي يثق بما وعته ، ولا يرتاب بما سمعته ؛ ويده التي يبسطها بالإنعام ، ويبطش بها في النقض والإبرام » . قال : ومن كانت هذه رتبته فالسبب الذي رتّبه فيها أفضل الأسباب وأجدرها بالتقديم على الاستحقاق والاستيجاب . قال ابن الطوير ( 3 ) في ترتيب الدولة الفاطمية « وكان هذا المنصب لا يتولَّاه في الدولة الفاطمية إلا أجلّ كتاب البلاغة ، ويخاطب بالأجلّ ، وإليه تسلَّم المكاتبة واردة مختومة فيعرضها على الخليفة من يده ، وهو الذي يأمر بتنزيلها والإجابة عنها وربما بات عند الخليفة ليالي ، وهذا أمر لا يصل إليه غيره » . قال : « وهو أوّل أرباب الإقطاعات في الكسوة والرسوم والملاطفات ولا سبيل أن يدخل إلى ديوانه أحد ولا يجتمع بأحد من كتابه إلا الخواص ، وله حاجب من الأمراء الشيوخ ، وله في مجلسه المرتبة العظيمة والمخادّ والمسند والدواة العظيمة الشأن ؛ ويحمل دواته أستاذ من خواصّ الخليفة عند حضوره إلى مجلس الخلافة » . قلت : ومرتبته في زماننا أرفع مرتبة ، ومحله أعظم محل ؛ إليه تلقى أسرار المملكة وخفاياها ، وبرأيه يستضاء في مشكلاتها ، وعلى تدبيره يعوّل في مهماتها ، وإليه ترد المكاتبات ، وعنه تصدر ، ومن ديوانه تكتب الولايات السلطانية

--> ( 1 ) كذا في الأصل ، ولعله مصحّف عن : ينفّر أو يستنفر كما يقتضيه المقام . ( 2 ) المخالفة والمعاداة . ( البستان 1 / 1246 ) . ( 3 ) لم نعثر على ترجمة لابن الطوير فيما بين أيدينا من المراجع .