أحمد بن علي القلقشندي

121

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الموافقة ، وتصيروا منه إلى المؤاخاة والشفقة إن شاء اللَّه تعالى . ولا يجاوزنّ الرجل منكم في هيئة مجلسه وملبسه ومركبه ومطعمه ومشربه وبنائه وخدمه وغير ذلك من فنون أمره ، قدر حقه ، فإنكم مع ما فضّلكم اللَّه به من شرف صنعتكم خدمة لا تحملون في خدمتكم على التقصير ، وحفظة لا تحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير . واستعينوا على عفافكم بالقصد في كل ما ذكرته لكم ، وقصصته عليكم ، واحذروا متالف السرف ، وسوء عاقبة التّرف ، فإنهما يعقبان الفقر ويذلَّان الرّقاب ، ويفضحان أهلهما ولا سيّما الكتّاب ، وأرباب الآداب ، وللأمور أشباه وبعضها دليل على بعض ، فاستدلَّوا على مؤتنف ( 1 ) أعمالكم بما سبقت إليه تجربتكم ، ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجّة ، وأصدقها حجّة ، وأحمدها عاقبة . واعلموا أنّ للتدبير آفة متلفة ، وهي الوصف الشاغل لصاحبه عن إنفاذ عمله ورؤيته ، فليقصد الرجل منكم في مجلسه قصد الكافي من منطقه ، وليوجز في ابتدائه وجوابه ، وليأخذ بمجامع حججه ، فإن ذلك مصلحة لفعله ، ومدفعة للتشاغل عن إكثاره ، وليضرع إلى اللَّه في صلة توفيقه ، وإمداده بتسديده ، مخافة وقوعه في الغلط المضرّ ببدنه وعقله وأدبه ، فإنه إن ظن منكم ظانّ ، أو قال قائل ، إن الذي برز من جميل صنعته وقوّة حركته ، إنما هو بفضل حيلته ، وحسن تدبيره ، فقد تعرّض بظنه أو مقالته إلى أن يكله اللَّه عز وجل إلى نفسه ، فيصير منها إلى غير كاف . وذلك على من تأمله غير خاف . ولا يقل أحد منكم إنه أبصر بالأمور وأحمل لعبء التدبير من مرافقه في صناعته ، ومصاحبه في خدمته ، فإن أعقل الرجلين عند ذوي الألباب من رمى بالعجب وراء ظهره ، ورأى أن صاحبه أعقل منه وأحمد في طريقته ، وعلى كل واحد من الفريقين أن يعرف فضل نعم اللَّه جلّ ثناؤه من غير اغترار برأيه ، ولا

--> ( 1 ) أي ابتداء أعمالكم . من ائتنف الشيء واستأنفه : أخذ فيه وابتدأه . ( البستان 1 / 74 ) .