أحمد بن علي القلقشندي

116

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

خدمتهم له بذلك خدمة مقة ( 1 ) ومودّة ، لا خدمة خوف ورهبة ؛ وأن يحبّب خدمته إليهم بترك مناقشتهم ، والتضييق عليهم ، وإنالتهم من الترفيه في بعض الأوقات ما يجدون به السبيل إلى الأخذ بنصيب من لذاتهم وأوطارهم التي تميل النفوس إليها ، وتتهافت عليها ؛ فإنهم متى لحقهم التعب والنصب ، اعترضهم الضّجر والملال ، فقصّروا في الأعمال ، وتهاونوا بالأشغال ؛ فلا بدّ لهم من راحة تصفو بها أذهانهم ويزول عنها الكلال ، ولا يفسح لهم في مواصلة الراحة والإخلال بما يلزمهم ؛ فإن ذلك يحمل على سوء العادة وقبح المذهب . وعليه أن يحفظ لهم حقوق الصّحبة والخدمة ويوجدهم من الإعانة ما فيه صلاح حالهم ؛ فإنه يستعبدهم بذلك ويستخلص مودّتهم ، إذ القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها » . الضرب الرابع آداب عشرة الرعية قال ابن خلف : « وهو أمر عظيم النفع ، جسيم العائدة ، قاض بالسلامة . إذ لا يطيب لأحد عيش مع بغض الرعية له ، ونفورهم عنه ، وإن علت عند السلطان رتبته ، وارتفعت طبقته . وظنّ بنفسه الاستغناء عنهم » . قال : « فينبغي أن يوفّر العناية على استصلاحهم له ، واستمالة أهوائهم إليه ، ولين الجانب ، ووطاءة الكنف ( 2 ) ، وخفض الجناح ، والبسط والإيناس وتألَّفهم : كما يوفرها على استصلاح السلطان وسياسته ، لتصحّ له رتبة التوسّط بين الطبقتين ، ويسلم من طعن الطاعن ، ولوم اللائم ، ويبرأ من البغض

--> ( 1 ) لم نعثر في المعاجم التي بين أيدينا على لفظة « مقة » بالتاء المربوطة المعجمة ، والأرجح أنها « مقه » بالقاف المعجمة الساكنة والهاء المهملة ، بمعنى رعاية وصيانة وهي تناسب سياق الجملة . ( البستان 2 / 2302 ) . ( 2 ) دمائة الأخلاق .