أحمد بن علي القلقشندي
109
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
منها في باب حروبه ومكايده ، فإنه إن ظهر منه على خيانة في السر ، عرّض نفسه للهلكة . ومنها الشّكر فإنه وإن كان واجبا على الإنسان مع أكفائه ونظرائه فإنه مع السلطان الذي يستظلّ بظله ، ويستدرّ أخلاف فضله أوجب . إذ المرء قد يقدر على مكافأة عارفة ( 1 ) صديقه بما يضاهيها ويزيد عليها ، ولا يقدر على مكافأة سلطانه إلا بشكر نعمته ، والمحافظة على حقوق خدمته . ثم الشكر بالقول يرتفع بين الرئيس والمرؤوس ، والخادم والمخدوم ، إلا اليسير الذي يقضي به حقّ الخدمة : لأن الإكثار منه داخل في حكم الملق والتثقيل ؛ وإنما يظهر شكر الخادم من أفعاله . ومنها الوفاء ، وهو من أهمّ الخصال اللازمة وآكدها ؛ إذ هو الطريق إلى صلاح العباد وعمارة البلاد ؛ بل هو رأس مال الكاتب وربحه ودوام عمله ، والسبب الذي لأجله ترغب السّلاطين في صحبته : لأنهم ما برحوا يقرّبون صاحب هذه الخصلة ويرونه أهلا للاختصاص ، موضعا للثّقة ؛ ولا أسوأ حالا ممن نزل هذه المنزلة وهو بخلافها . ثم الوفاء يكون بإظهار النصيحة ، وبذل الاجتهاد ، وقصد المخالصة ، ومقابلة كل نعمة تفاض عليه بالنهضة فيما استند ( 2 ) إليه : ليدعو ذلك سلطانه إلى ربّ ( 3 ) النعمة لديه ، وإقرار ما عليه . ومن شروط الوفاء أن يلتزمه صاحبه لسلطانه ، في حال سعادته ، وإقبال دولته ، وفي حال تولَّيها عنه وعطلته . أما في حال إقبال الدولة عليه فأن يصحبه بقلبه دون بدنه ولا يتطلب صاحبا غيره ينتقل إلى صحبته ، ويستبدل بخدمته
--> ( 1 ) العارفة هي المعروف ، كالعرف بالضم . ( القاموس 3 / 178 ) . ( 2 ) لعل الأصح : أسند إليه ، كما في الطبعة الأميرية عن الضوء للمؤلف . ( 3 ) زيادة النعمة . من ربّ يربّ أي زاد يزيد . ( اللسان 1 / 402 ) .