أحمد بن علي القلقشندي
105
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الخليل عليه السّلام * ( واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ) * ( 1 ) . وأولى الناس باقتناء ذخائر الحمد وافتراض فرض الشكر من عرّض اللَّه تعالى جاهه ، وطوّل يده ، وأمضى عند السلطان لسانه ، فينبغي أن يختار هذه المكرمة ، ويقوم بالنصيب الأوفر منها ، ولا يبخل بجاهه ولا ماله على قاصد ولا مؤمل ولا ذي رحم وذمام ، ولا يضجّع ( 2 ) في أمر بطانته وحاشيته وأصحابه ، ولا يضيّق عليهم مع سعته ، ولا يقصر بهم في كفايته ، ويجعل اكتسابها بجاهه وماله دون أموال سلطانه - فإن كثيرا من المتصرفين بذلوا ما اؤتمنوا عليه في هذا الغرض ورضّوا ( 3 ) به أهل الشفاعات والرسائل ، فأعقبهم ذلك زوال النعم ، وسقوط الرتبة وذهاب المال ، والوسم بميسم الخيانة والبوار إلى الأبد . ولا يبالغ في ابتناء المعالي واقتناء المحامد وبذل الرغائب وارتفاع الهمم ، فإن ذلك مما يختص بالملوك ولا ينبغي لأحد من أتباعهم من كاتب ولا غيره الإقدام عليه مفاخرا ولا مكاثرا ولا مقابسا ، فيكون قد عدا طوره ، وأضل رشده ، وتعرّض للعطب مع سلطانه ، وأوجد الطريق إلى سوء الظن به ، وفوّق سهام الحسدة إليه ، وأطلق ألسنتها بالطعن عليه ، وربما أدّى به ذلك إلى سقوط المنزلة أن سلمت نفسه . ومنها الاقتصاد في طلب اللذة ، والاقتصار من ذلك على ما يقيم المروءة من أفضل الأخلاق وأشرفها : بأن يكون تناولهم ما يتناولونه من ذلك بسلوك طريقة محمودة يظهر فيها أثر التدبير السديد والرأي الأصيل ، من غير خروج إلى الإقبال على اللذات ، والانهماك في الشهوات . فإن ذلك غير مستحسن لملك ولا سوقة لأنه جالب للأسقام ، قاطع عن الأمور المهمة التي يجب صرف العناية إليها في صلاح المعاش وأمر الآخرة ؛ ولكن لا يكلَّف ترك
--> ( 1 ) سورة الشعراء / 84 . ( 2 ) لا يقصّر في أمرهم . ( اللسان 8 / 220 ) . ( 3 ) أي أساؤا إليهم وأغضبوهم . ورضّ الشيء كسره . ( اللسان 7 / 155 ) .