الآلوسي
95
تفسير الآلوسي
لأن ذلك مما يجعل الضيف مقصراً في الأكل أي لما شاهد منهم ذلك * ( نَكَرَهُمْ ) * أي نفرهم * ( وَأَوْجَسَ ) * أي استشعر وأدرك ، وقيل : أضمر * ( منْهُمْ ) * أي من جهتهم * ( خيفَةً ) * أي خوفاً ، وأصلها الحالة التي عليها الإنسان من الخوف ، ولعل اختيارها بالذكر للمبالغة حيث تفرس لذلك مع جهالته لهم من قبل وعدم معرفته من أي الناس يكونون كما ينبئ عنه ما في الذاريات من قوله سبحانه حكاية عنه : * ( قال سلام قوم منكرون ) * أنهم ملائكة ، وظن أنهم أرسلوا لعذاب قومه أو لأمر أنكره الله تعالى عليه * ( قَالُواْ ) * حين رأوا أثر ذلك عليه عليه السلام ، أو أعلمهم الله تعالى به ، أو بعد أن قال لهم ما في الحجر * ( إنا منكم وجلون ) * فإن الظاهر منه أن هناك قولاً بالفعل لا بالقوة كما هو احتمال فيه على ما ستراه إن شاء الله تعالى ، وجوز أن يكون ذلك لعلمهم أن علمه عليه السلام أنهم ملائكة يوجب الخوف لأنهم لا ينزلون إلا بعذاب ، وقيل : إن الله تعالى جعل للملائكة مطلقاً ما لم يجعل لغيرهم من الاطلاع كما قال تعالى : * ( يعلمون ما تفعلون ) * وفي " الصحيح " " قالت الملائكة رب عبدك هذا يريد أن يعمل سيئة " الحديث ، وهو قول بأن الملائكة يعلمون الأمور القلبية . وفي الأخبار الصحيحة ما هو صريح بخلافه ، والآية . والخبر المذكوران لا يصلحان دليلاً لهذا المطلب ، وإسناد القول إليهم ظاهر في أن الجميع قالوا * ( لاَ تَخَفْ ) * ويحتمل أن القائل بعضهم ، وكثيراً ما يسند فعل البعض إلى الكل في أمثال ذلك ، وظاهر قوله سبحانه : * ( إنَّا أُرْسلْنَا ) * أنه استئناف في معنى التعليل للنهي المذكور كما أن قوله سبحانه : * ( إنا نبشرك ) * ( الحجر : 53 ) استئناف كذلك فإن إرسالهم إلى قوم آخرين يوجب أمنه من الخوف أي * ( أرسلنا ) * بالعذاب * ( إلَى قَوْم لُوط ) * خاصة ، ويعلم مما ذكرنا أنه عليه السلام أحس بأنهم ملائكة ، وإليه ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقد يستدل له بقولهم : * ( لا تخف إنا إرسلنا ) * فإنه كما لا يخفى على من له أدنى ذوق إنما يقال لمن عرفهم ولم يعرف فيم أرسلوا فخاف ، وأن الإنكار المدلول عليه بنكرهم غير المدلول عليه بما في الذاريات فلا إشكال في كون الإنكار هناك قبل إحضار الطعام وهنا بعده ، وأصل الإنكار ضد العرفان ، ونكرت وأنكرت واستنكرت بمعنى ، وقيل : إن أنكر فيما لا يرى من المعاني ونكر فيما يرى بالبصر ، ومن ذلك قول الشاعر : وأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا فإنه أراد في الأول على ما قيل : أنكرت مودتي ، وقال الراغب : إن أصل ذلك أن يرد على القلب ما لا يتصوره وذلك ضرب من الجهل وبه فسر ما فيه الآية ، وفرق بعضهم بين ما هنا وبين ما وقع في الذاريات بأن الأول راجح إلى حالهم حين قدم إليهم العجل . والثاني متعلق بأنفسهم ولا تعلق له برؤية عدم أكلهم بل وقع عند رؤيته عليه السلام لهم لعدم كونهم من جنس ما يعهده من الناس ، ويحتاج هذا إلى اعتبار حذف المضاف أو ملاحظة الحيثية ، واعترض ما قدمناه بأن فيه ارتكاب مجاز ، ولعل الأمر فيه سهل . وذهب بعضهم إلى أنه عليه السلام لم يعرف أنهم ملائكة حتى قالوا له : * ( لا تخف إنا أرسلنا ) * وكأن سبب خوفه منهم أنهم لم يتخرحموا بطعامه فظن أنهم يريدون به سوءاً إذ كانت العادة إذ ذاك كذلك ، وكان عليه السلام نازلاً في طرف من الأرض منفرداً عن قومه ، وهي رواية عن ابن عباس أخرجه إسحاق بن بشر .