الآلوسي

77

تفسير الآلوسي

من شيء * ( والسميع ) * من يسمع من الحق فيميز الإلهام من الوسواس ، وقيل : * ( البصير ) * هو الذي يشهد أفعاله بعلم اليقين وصفاته بعين اليقين وذاته بحق اليقين فالغائبات له حضور والمستورات له كشف * ( والسميع ) * من يسمع من دواعي العلم شرعاً ، ثم من خواطر التعريف قدراً ، ثم يكاشف بخطاب من الحق سراً ، وقيل : وقيل : * ( السميع ) * من لا يسمع إلا كلام حبيبه ، و * ( البصير ) * من لا يشاهد إلا أنواره فهو في ضيائها ليلاً ونهاراً ، وإلى هذا يشير قول قائلهم : ليلي من وجهك شمس الضحى * وإنما السدفة في الجو الناس في الظلمة من ليلهم * ونحن من وجهك في الضو وفسر كل من - الأعمى والأصم - بضد ما فسر به * ( البصير والسميع ) * والمراد من قوله سبحانه : * ( هل يستويان ) * ( هود : 24 ) أنهما لا يستويان لما بينهما من التقابل والتباعد إلى حيث لا تتراءى ناراهما ، ثم إنه تعالى ذكر من قصة نوح عليه السلام مع قومه ما فيه إرشاد وتهديد وعظة ما عليها مزيد * ( فقال الملأ الذين كفروا من قومه ) * أي الأشراف المليؤون بأمور الدنيا الذي حجبوا بما هم فيه عن الحق * ( ما نراك إلا بشراً مثلنا ) * لكونهم واقفين عند حد العقل المشوب بالوهم فلا يرون لأحد طوراً وراء ما بلغوا إليه ولم يشعروا بمقام النبوة ومعناها * ( وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) * وصفوهم بذلك لفقرهم حيث كانوا لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا ولم يعلموا أن الشرف بالكمال لا بالمال . * ( وما نرى لكم علينا من فضل ) * وتقدم يؤهلكم لما تدعونه * ( بل نظنكم كاذبين ) * ( هود : 27 ) فلا نبوة لك ولا علم لهم * ( قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ) * يجب عليكم الإذعان بها * ( وآتاني رحمة ) * هداية خاصة كشفية متعالية عن درجة البرهان * ( من عنده ) * فوق طور عقولكم من العلوم اللدنية ومقام النبوة * ( فعميت عليكم ) * لاحتجابكم بالظاهر عن الباطن وبالخليقة عن الحقيقة * ( أنلزمكموها ) * ونجبركم عليها * ( وأنتم لها كارهون ) * ( هود : 28 ) لا تلتفتون إليها كأنه عليه السلام أراد أنه لا يكون إلزام ذلك مع الكراهة لكن إن شئتم تلقيه فزكوا أنفسكم واتركوا إنكاركم حتى يظهر عليكم أثر نور الإرادة فتقبلوا ذلك ، وفيه إشارة إلى أن المنكر لا يمكن له الاستفاضة من أهل الله تعالى ولا يكاد ينتفع بهم ما دام منكراً ومن لم يعتقد لم ينتفع * ( ويا قوم لا أسئلكم عليه مالاً ) * أي ليس لي مطمح في شيء من أموالكم التي ظننتم أن الشرف بها * ( إن أجري إلا على الله ) * فهو يثيبني بما هو خير وأبقى * ( وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ) * أي إنهم أهل الزلفى عنده تعالى وهم حمائم أبراج الملكوت وبزاة معارج الجبروت * ( ولكني أراكم قوماً تجهلون ) * ( هود : 29 ) تسفهون عليهم وتؤذونهم * ( ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم ) * كما تريدون وهم بتلك المثابة * ( أفلا تذكرون ) * ( هود : 30 ) لتعرفوا التماس طردهم ضلال ، وفيه إشارة إلى أن الإعراض عن فقراء المؤمنين مؤد إلى سخط رب العالمين . قال أبو عثمان : في الآية * ( ما أنا ) * بمعرض عمن أقبل على الله تعالى ، فإن من أقبل على الله تعالى بالحقيقة أقبل الله تعالى عليه ، ومن أعرض عمن أقبل الله تعالى عليه فقد أعرض عن الله سبحانه * ( ولا أقول لكم عندي خزائن الله ) * الخ أي أنا لا أدعي الفضل بكثرة المال ولا بالاطلاع على الغيب ولا بالملكية حتى تنكروا فضلي بفقدان ذلك وبمنافاة البشرية لما أنا عليه * ( ولا أقول للذين ) * تنظرون إليهم بعين الحقارة * ( لن يؤتيهم الله خيراً ) * كما تقولون أنتم إذ الخير عندي ما عند الله تعالى لا المال * ( الله أعلم بما في أنفسهم ) * من الخير مني ومنكم وهو أعلم بقدرهم