الآلوسي
73
تفسير الآلوسي
شهراً ، ثم قليل له : اهبط فهبط بأرض الموصل وبنى قرب الجبل قرية يقال لها : قرية الثمانين عدد من في السفينة ، وفي رواية عن ابن عباس أنه بنى كل منهم بيتاً فسميت سوق الثمانين . وأخرج ابن مردويه عن عمر رضي الله تعالى عنه قال : لما استقرت السفينة على الجودي لبث نوح عليه السلام ما شاء الله تعالى ، ثم إنه أذن له بالهبوط فهبط على الجبل فدعا الغراب فقال : ائتني بخبر الأرض ، فانحدر إلى الأرض وفيها الغرقى من قوم نوح فوقع على جيفة منهم فأبطأ عليه فلعنه ، ودعا الحمامة فوقفت على كفه فقال : اهبطي فأتني بخبر الأرض فانحدرت فلم تلبث قليلاً حتى جاءت تنفض ريشها بمنقارها فقالت : اهبط فقد أنبتت الأرض فقال نوح : بارك الله تعالى فيك وفي بيت يأويك وحببك إلى الناس ولولا أن يغلبك الناس على نفسك لدعوت الله سبحانه أن يجعل رأسك من الذهب ، والظاهر عندي أن الهبوط من الجودي الذي استقرت عليه السفينة إلى الأرض ، وليس في الكلام ما يستدعي أن يكون بعد الاستقرار بلا مهلة ليقال : إن ما تحت الجبل مغمور إذ ذاك بالماء ، والتعبير بالهبوط على هذا في غاية الظهور ، ولعل ذلك على أن يكون المراد من السفينة لمكان الركوب ، وخبر الحمامة . والغراب قد طار في الآفاق وأولع به القصاصون ، والله تعالى أعلم بصحته ، وغالب الظن أنه لم يصح ، وكذا اشتهر خبر قرية الثمانين في أرض الموصل وأنها لما ضاقت عليهم تحولوا إلى باب فبنوها . وأخرج ابن عساكر عن كعب الأحبار أنه قال : أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حران ودمشق ثم بابل . وقرئ * ( اهْبطْ ) * بضم الباء * ( بسَلَام ) * أي ملتبساً بسلامة مما تكره كائنة * ( مِّنَّا ) * أي من جهتنا ، ويجوز أن يكون السلام بمعنى التسليم والتحية أي مسلماً عليك من جهتنا * ( وَبَرَكَات عليكَ ) * أي خيرات نامية في نسلك وما يقوم به معاشك ومعاشهم من أنواع الأرزاق ، أو مباركاً عليك أي مدعواً لك بالبركة بأن يقال : بارك الله تعالى فيك وهو مناسب لكون السلام بمعنى التسليم فيكون كقوله : السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته ، وأصل البرك - كما قال الراغب - صدر البعير يقال : برك البعير إذا ألقى بركه ، واعتبر فيه اللزوم ولذا سمي محتبس الماء بركة ، والبركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء سمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة . ولما كان الخير الإلهي يصدر على وجه لا يحس ولا يحصى قيل لكل ما يشاهد فيه زيادة غير محسوسة : هو مبارك وفيه بركة ، ولما في ذلك من الإشعار باللزوم - وكونه غير محسوس - اختص تبارك بالاستعمال في الله تبارك وتعالى كما قيل ، وفي " الكشف " كل شيء ثبت وأقام فقد برك وأخذ بروك البعير منه ، ثم البرك بمعنى الصدر من الثاني لأنه آلة بروكه أظهر ، وحكى عبد العزيز بن يحيى عن الكسائي أنه قرأ - وبركة - بالتوحيد ، وفي الآية على القراءتين صنعة الاحتباك لأنه حذف من الثاني ما ذكر في الأول ، وذكر فبه ما حذف من الأول ، والتقدير سلام منا عليك وبركات ، أو وبركة منا عليك ، وهذا منه تعالى إعلام وبشارة بقبول توبته عليه السلام وخلاصة من الخسران مع الإشارة إلى عود الأرض إلى حالها من الإنبات وغيره * ( وَعَلَى أُمَم ) * ناشئة * ( مِّمَّن مَّعَكَ ) * متشعبة منهم - فمن - ابتدائية ، والمراد الأمم المؤمنة المتناسلة ممن معه إلى يوم القيامة ، والمراد - ممن معه - أولاده من إطلاق العام وإرادة الخاص بناءاً على ما قيل : إنه لم يعقب غيرهم ، فالناس كلهم على هذا من نسل نوح عليه السلام ؛ ومن هنا سمي عليه السلام آدم الثاني . وآدم الأصغر ، واستدل لذلك بقوله تعالى : * ( وجعلنا ذريته