الآلوسي

68

تفسير الآلوسي

لعمومه شمل من لا يستحق الهلاك فإن عدله تعالى يمنع أن يدعو على غير مستحق ، وحسن النسق وائتلاف اللفظ مع المعنى والايجاز فإنه سبحانه قص القصة مستوعبة بأخصر عبارة ، والتسهيم لأن أول الآية يدل على آخرها ، والتهذيب لأن مفرداتها موصوفة بصفات الحسن ، وحسن البيان من جهة أن السامع لا يتوقف في فهم معنى الكلام ولا يشكل عليه شيء منه ، والتمكين لأن الفاصلة مستقرة من محلها مطمئنة في مكانها ، والانسجام ، وزاد الجلال السيوطي بعد أن نقل هذا عن ابن أبي الأصبع الاعتراض ، وزاد آخرون أشياء كثيرة إلا أنها ككلام ابن أبي الأصبع قد أشير إليها بأصبع الاعتراض ، وقد ألف شيخنا علاء الدين - أعلى الله تعالى درجته في أعلى عليين - رسالة في هذه الآية الكريمة جمع فيها ما ظهر له ووقف عليه من مزاياها فبلغ ذلك مائة وخمسين مزية ، وقد تطلبت هذه الرسالة لأذكر شيئاً من لطائفها فلم أظفر بها وكأن طوفان الحوادث أغرقها ، ولعل فيما نقلناه سداداً من عوز ، والله تعالى الموفق للصواب وعنده علم الكتاب . * ( وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ) * . * ( وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ ) * أي أراد ذلك بدليل تفريع قوله سبحانه : * ( فَقَالَ رَبِّ إنَّ ابْني منْ أَهْلِي ) * عليه ، وقيل : النداء على حقيقته والعطف بالفاء لكون حق التفصيل يعقب الإجمال * ( وَإنَّ وَعْدَكَ الحقُّ ) * أي وإن وعدك ذلك أوكل وعد تعده حق لا يتطرق إليه خلف فيدخل فيه الوعد المعهود دخولاً أولياً . * ( وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكمَين ) * لأنك أعلمهم وأعدلهم ، وقد ذكر أنه إذا بني أفعل من الشيء الممتنع من التفضيل والزيادة يعتبر فيما يناسب معناه معنى الممتنع ، وقال العز بن عبد السلام في أماليه : إن هذا ونحوه من أرحم الراحمين وأحسن الخالقين مشكل لأن أفعل لا يضاف إلا إلى جنسه ، وهنا ليس كذلك لأن الخلق من الله سبحانه بمعنى الإيجاد ومن غيره بمعنى الكسب وهما متباينان يعني على المشهور من مذهب الأشاعرة ، والرحمة من الله تعالى إن حملت على الإرادة أو جعلت من مجاز التشبيه صح وإن أريد إيجاد فعل الرحمة كان مشكلاً أيضاً إذ لا موجد سواه سبحانه ، وأجاب الآمدي بأنه بمعنى أعظم من يدعي بهذا الاسم ، واستشكل بأن فيه جعل التفاضل في غير ما وضع اللفظ بإزائه وهو يناسب مذهب المعتزلة فافهم ، وقيل : المعنى هنا أنك أكثر حكمة من ذوي الحكم على أن الحاكم من الحكم كالدارع من الدرع ، واعترض عليه بأن الباب ليس بقياسي وأنه لم يسمع حاكم بمعنى حكيم وأنه لا يبنى منه أفعل إذاً لأنه ليس جارياً على الفعل لا يقال : ألبن وأتمر من فلان إذ لا فعل بذلك المعنى ، والجواب بأنه قد كثر في كلامهم فجوز على أن يكون وجهاً مرجوحاً وبأنه من قبيل أحنك الشاتين لا يخلو عن تعسف كما في الكشف ، وتعقب بأن للحكمة فعلا ثلاثياً وهو حكم ، وأفعل من الثلاثي مقيس ، وأيضاً سمع احتنك الجراد . وألبن . وأتمر فغايته أن يكون من غير الثلاثي ولا يخفى ما فيه ، ومنهم من فسره على هذا بأعلمهم بالحكمة كقولهم ؛ آبل من أبل بمعنى أعلم . وأحذف بأمر الإبل ، وأياً مّا كان فهذا النداء منه عليه السلام يقطر منه الاستعطاف ، وجميل التوسل إلى من عهده منعاً مفضلاً في شأنه أولاً وآخراً وهو على طريقة دعاء أيوب عليه السلام * ( إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحيمن ) * ( الأنبياء : 83 ) فيكون ذلك قبل الغرق ، والواو لا تقتضي الترتيب ، وقيل : إن النداء إنما كان بعده والمقصود منه الاستفسار عن سبب عدم إنجائه مع سبق وعده تعالى بإنجاء أهله وهو منهم ، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً تمام الكلام في ذلك . * ( قَالَ يانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) * * ( قَالَ ) * استئناف بياني كأنه قيل ، ما قال له ربه سبحانه حين ناداه بذلك ؟ فقيل : قال : * ( يَا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ منْ أَهْلكَ ) * أي ليس منهم