الآلوسي
53
تفسير الآلوسي
والجار والمجرور متعلق - باحمل - أو بمحذوف وقع حالا من مفعوله أعني قوله سبحانه : * ( زَوْجَيْن ) * وهو تثنية زوج ، والمراد به الواحد المزدوج بآخر من جنسه ، فالذكر زوج للأنثى كما هي زوج له ، وقد يطلق على مجموعهما ، وليس بمراد ، وإلا لزم أن يحمل من كل صنف أربعة ، ولئلا يراد ذلك وصف بقوله تعالى : * ( اثْنَيْن ) * وحاصل المعنى احمل ذكراً وأنثى من كل نوع من الحيوانات ، وقرأ الأكثرون دمن كل زوجين ) * بالإضافة فاثنين على هذا مفعول - احمل - و * ( من كل زوجين ) * حال منه ، ولو أخر لكان صفة له أي احمل اثنين من كل زوجين أي صنف ذكر وصنف أنثى ، وقيل : * ( من ) * زائدة وما بعدها مفعول احمل ، و * ( اثنين ) * نعت لزوجين بناءاً على جواز زيادة * ( من ) * في الموجب ثم ما ذكرناه في تفسير العموم هو الذي مال إليه البعض وأدرج فيه أناس الهوام والطير ، وذكر أنه روي أنه عليه السلام جعل للسفينة ثلاثة بطون وحمل في البطن الأسفل الوحوش . والسباع . والهوام ، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام ، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد ، وحمل معه جسد آدم عليه السلام وجعله معترضاً بين الرجال والنساء ، وكان حمله بوصية منه عليه السلام توارثها ولده حتى وصلت إلى نوح عليه السلام ، ويعارض هذا التقسيم ما روي أن الطبقة السفلى للوحش . والوسطى للطعام . والعليا له عليه السلام ولمن آمن ، وتوسع بعضهم في العموم فأدرج فيه ما ليس من جنس الحيوان ، وأيد بما أخرجه إسحق بن بشر . وغيره عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً أن نوحاً عليه السلام حمل معه في السفينة من جميع الشجر ، وبما أخرجه أبو الشيخ عن جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما قال : أمر نوح عليه السلام أن يحمل معه * ( من كل زوجين اثنين ) * فحمل من التمر العجوة واللون . وأخرج النسائي عن أنس بن مالك أن نوحاً عليه السلام نازعه الشيطان في عود الكرم ، فقال : هذا لي ، وقال نوح : هو لي فاصطلحا على أن لنوح ثلثها . وللشيطان ثلثيها ولا يكاد يعول على مثل هذه الأخبار عند التنقير ، ومما يحمل معها في سفينة ما أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : تأذى أهل السفينة بالفأر فعطس الأسد فخرج من منخريه سنوران ذكر وأنثى فأكلا الفأر إلا ما أراد الله تعالى أن يبقى منه ، وتأذوا بأذى أهل السفينة فعطس الفيل فخرج من منخريه خنزيران ذكر وأنثى فأكلا أذى أهل السفينة ، وفي رواية الحكيم الترمذي في نوادر الأصول . وابن جرير . وغيرهما عنه أن نوحاً عليه السلام شكا إلى الله تعالى قرض الفأر حبال السفينة فأوحى الله إليه فمسح جبهة الأسد فخرج سنوران ، وشكا عذرة في السفينة فأوحى إليه سبحانه ، فمسح ذنب الفيل فخرج خنزيران فأكل العذرة . وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم عن أبيه مرفوعاً أن أهل السفينة شكوا الفأرة فقالوا : الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا فأوحى الله تعالى إلى الأسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها ، ولم يذكر فيه بحث الخنزير ، ويفهم منها على ما فيها أن الهرة لم تكن عند الحمل ، ومن الأولين أنها والخنزير لم يكونا ، وفي بعض الآثار ما يخالفه ، فقد أخرج أحمد في الزهد . وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال لما أمر الله تعالى نوحاً عليه السلام بالحمل قال : كيف أصنع بالأسد . والبقرة . وكيف أصنع بالعناق . والذئب ، وكيف أصنع بالحمام . والهر ؟ فقال الله تعالى : من ألقى بينهما العداوة ؟ قال : أنت يا رب قال : فإني أؤلف بينهم حتى لا يتضارون ، ولا يخفى ما بين هذا وبين التقسيم الأول أيضاً ، وجاء في شأن الأسد روايات مختلفة : ففي رواية أن أصحابه عليه السلام قالوا : كيف نطمئن ومعنا الأسد ؟ فسلط الله تعالى عليه الحمى ، وكانت أولى حمى نزلت الأرض .