الآلوسي

31

تفسير الآلوسي

أمر واضح غني عن الشهادة ، وإنما المحتاج إليها ذلك ولذا لم يقولوا : هؤلاء كذبوا بدون الموصول ، ويحتمل أن يكون ذماً لهم بتلك الفعلة الشنيعة لا شهادة عليهم كما يشعر به قوله تعالى : * ( ويقول ) * دون ويشهد ، وتوطئة لما يعقبه من قوله تعالى : * ( أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالمينَ ) * أي بالافتراء المذكور ، والظاهر أن هذا من كلام الأشهاد على الاحتمالين ، ويؤيده ما أخرجه الشيخان . وخلق كثير عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله تعالى يدني المؤمن حتى يضع كنفه عليه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ويقول له : أتعرف ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب كذا ؟ فيقول : رب أعرف حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته ، وأما الكفار . والمنافقون فيقول : الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين " . وجوز على الاحتمال الأول أن يكون من كلام الله تعالى ، وحينئذٍ يجوز أن يراد بالظالمين ما يعم الظالمين بالافتراء . والظالمين بغير ذلك ، ويدخل فيه الأولون دخولاً أولياً ، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران قال : إن الرجل ليصلي ويلعن نفسه في قراءته فيقول : ألا لعنة الله على الظالمين وهو ظالم . وربما يجوز ذلك على الاحتمال الثاني أيضاً ، وأياً مّا كان - فهؤلاء الذين - مبتدأ وخبر ، واحتمال أن يكون * ( هؤلاء ) * مبتدأ ، و * ( الذين ) * تابع له ، وجملة * ( ألا لعنة الله على الظالمين ) * خبره ، وقد أقيم الظاهر مقام المضمر أي عليهم لذمهم بمبدأ الاشتقاق مع الإشارة إلى علة الحكم كما ترى ، وجملة - يقول الإشهاد - قيل : مستأنفة على أنها جواب سؤال مقدر كأن سائلاً سأل إذ سمع أنهم يعرضون على ربهم ماذا يكون إذ ذاك ؟ فأجيب بما ذكر ، وقيل - وهو الظاهر - إنها معطوفة على جملة * ( يعرضون ) * على معنى أولئك يعرضون ويقول الأشهاد في حقهم ، أو ويقول أشهادهم والحاضرون عند عرضهم * ( هؤلاء ) * الخ ، وكأن هذا لبيان أنها مرتبطة في التقدير بالمبتدأ كارتباط الجملة المعطوفة هي عليها به ، وقيل : كفى اسم الإشارة القائم مقام الضمير للتحقير رابطاً فتدبر . * ( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بالاَْخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) * * ( الَّذينَ يَصُدُّون ) * أي كل من يقدرون على صده أو يفعلون الصد * ( عَن سَبيل الله ) * أي دينه القويم وإطلاق ذلك عليه كالصراط المستقيم مجاز * ( وَيَبْغُونَهَا عوَجاً ) * أي يطلبون لها انحرافاً ، والمراد أنهم يصفونها بذلك وهي أبعد شيء عنه ، وإطلاق الطلب على الوصف مجاز من إطلاق السبب على المسبب ، ويجوز أن يكون الكلام على حذف مضاف أي يبغون أهلها أن ينحرفوا عنها ويرتدوا ، وقيل : المعنى يطلبونها على عوج ونصب * ( عوجاً ) * على أنه مفعول به ، وقيل : على أنه حال ويؤول بمعوجين * ( وَهُمْ بالأَخرَة هُمْ كَافرونَ ) * أي والحال أنهم لا يؤمنون بالآخرة ، وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به لأنه بمنزلة الفصل فيفيد الاختصاص وضرباً من التأكيد ، والاختصاص ادعائي مبالغة في كفرهم بالآخرة كأن كفر غيرهم بها ليس بكفر في جنبه ، وقيل : إن التكرير للتأكيد وتقديم * ( بالآخرة ) * للتخصيص ، والأولى كون تقديمه لرؤوس الآي . * ( أُولَائِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِى الاَْرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ ) * * ( أُوْلَائكَ ) * الموصوفون بما يوجب التدمير * ( لَمْ يَكُونُواْ مُعْجزينَ ) * لله تعالى مفلتين أنفسهم من أخذه لو أراد ذلك