الآلوسي
224
تفسير الآلوسي
أي هذا القدر والشق كما قال الضحاك * ( من كَيْدكُنَّ ) * أي ناشى من احتيالكن أيتها النساء ومكركن ومسبب عنه ، وهذا تكذيب لها وتصديق له عليه السلام على ألطف وجه كأنه قيل : أنت التي راودتيه فلم يفعل وفرّ فاجتذبتيه فشققت قميصه فهو الصادق في إسناد المراودة إليك وأنت الكاذبة في نسبة السوء إليه ، وقيل : الضمير للأمر الذي وقع فيه التشاجر وهو عبارة عن إرادة السوء التي أسندت إلى يوسف عليه السلام وتدبير عقوبته بقولها * ( ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً ) * ( يوسف : 25 ) الخ أي إن ذلك من جنس مكركن واحتيالكن ، وقيل : هو للسوء وهو نفسه وإن لم يكن احتيالاً لكنه يلازمه ، وقال الماوردي : هو لهذا الأمر وهو طمعها في يوسف عليه السلام ؛ وجعله من الحيلة مجاز أيضاً كما في الوجه الذي قبله ، وقال الزجاج : هو لقولها : * ( ما جزاء ) * الخ فقط ، واختار العلامة أبو السعود القيل الأول وتكلف له بما تكلف واعترض على ما بعده من الأقوال بما اعترض . ولعل ما ذكرناه أقرب للذوق وأقل مؤنة مما تكلف له ؛ وأياً مّا كان فالخطاب عام للنساء مطلقاً وكونه لها ولجواريها - كما قيل - ليس بذاك ، وتعميم الخطاب للتنبيه على أن الكيد خلق لهن عريق : ولا تحسبا هنداً لها الغدر وحدها * سجية نفس كل غانية هند * ( إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظيمٌ ) * فإنه ألطف وأعلق بالقلب وأشد تأثيراً في النفس ولأن ذلك قد يورث من العار ما لا يورثه كيد الرجال ، ولربات القصور منهن القدح المعلى من ذلك لأنهن أكثر تفرغاً من غيرهن مع كثرة اختلاف الكيادات إليهن فهن جوامع كوامل ، ولعظم كيد النساء اتخذهن إبليس عليه اللعنة وسائل لإغواء من صعب عليه إغواؤه ، ففي الخبر " ما أيس الشيطان من أحد إلا أتاه من جهة النساء " وحكي عن بعض العلماء أنه قال : أنا أخاف من النساء ما لا أخاف من الشيطان فإنه تعالى يقول : * ( إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ) * ( النساء : 76 ) وقال للنساء : * ( إن كيدكن عظيم ) * ( يوسف : 28 ) ولأن الشيطان يوسوس مسارقة وهن يواجهن به ، ولا يخفى أن استدلاله بالآيتين مبني على ظاهر إطلاقهما ، ومثله ما تنقبض له النفس وتنبسط يكفي فيه ذلك القدر فلا يضر كون ضعف كيد الشيطان إنما هو في مقابلة كيد الله تعالى ، وعظيم كيدهن إنما هو بالنسبة إلى كيد الرجال ، وما قيل : إن ما ذكر لكونه محكياً عن قطفير - لا يصلح للاستدلال به بوجه من الوجوه - ليس بشيء لأنه سبحانه قصه من غير نكير فلا جناح في الاستدلال به كما لا يخفى . * ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَاذَا واسْتَغْفِرِى لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ) * * ( يُوسُفُ ) * حذف منه حرف النداء لقربه وكمال تفطنه للحديث ، وفي ندائه باسمه تقريب له عليه السلام وتلطيف . وقرأ الأعمش * ( يوسف ) * بالفتح ، والأشبه على ما قال أبو البقاء : أن يكون أخرجه على أصل المنادي كما جاء في الشعر : يا عدياً لقد وقتك الأواقي وقيل : لم تضبط هذه القراءة عن الأعمش ، وقيل : إنه أجرى الوقف مجرى الوصل ونقل إلى الفاء حركة الهمزة من قوله تعالى : * ( أَعْرضْ عَنْ هَاذَا ) * أي عن هذا الأمر واكتمه ولا تتحدث به فقد ظهر صدقك وطهارة ثوبك ، وهذا كما حكى الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله بالوصل والفتح ، وقرئ * ( أعرض ) * بصيغة الماضي فيوسف حينئذٍ مبتدأ والجملة بعده خبر ، ولعل المراد الطلب على أتم وجه فيؤول إلى معنى * ( أعرض ) * * ( واسْتَغْفري ) * أنت أيتها المرأة ، وضعف أبو البقاء هذه القراءة بأن الأشبه عليها أن