الآلوسي

209

تفسير الآلوسي

والآية على الأول صريحة في مذهب أهل السنة * ( وَلَاكنَّ أَكثَرَ النَّاس لاَ يَعْلَمُونَ ) * أن الأمر كذلك فيما يأتون ويذرون زعماً منهم أن لهم من الأمر شيئاً ، وأنى لهم ذلك ؟ ! وأن الأمر كله لله عز وجل ، أو لا يعلمون لطائف صنعه وخفايا فضله ، والمراد - بأكثر الناس - قيل : الكفار ، ونقل ذلك عن ابن عطية . وقيل : أهل مصر ، وقيل : أهل مكة ، وقيل : الأكثر بمعنى الجميع ، والمراد أن جميع الناس لا يطلعون على غيبه تعالى ، والأولى أن يبقى على ما يتبادر منه ولا يقتصر في تفسيره على ما تضمنته الأقوال قبل ، بل يراد به من نفى عنه العلم بما تقدم كائناً ما كان ، ولا يبعد أن يندرج في عمومه أهل الاعتزال . * ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذالِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ) * * ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) * أي بلغ زمان انتهاء اشتداد جسمه وقوته وهو سن الوقوف عن النمو المعتد به أعني ما بين الثلاثين والأربعين ، وسئل القاضي النحوي مهذب الدين محمد بن علي بن علي بن أبي طالب الخيمي عنه ، فقال : هو خمس وثلاثون سنة وتمامه أربعون . وقال الزجاج : هو سبعة عشر عاماً إلى نحو الأربعين ، وعن مجاهد . وقتادة - ورواه ابن جبير - عن ابن عباس أنه ثلاثة وثلاثون . أو ثلاثون . أو أحد وعشرون ، وقال الضحاك : عشرون ، وحكى ابن قتيبة أنه ثمان وثلاثون . وقال الحسن : أربعون ، والمشهور أن الإنسان يقف جمسه عن النمو إذا بلغ ذلك ، وإذا وقف الجسم وقفت القوى والشمائل والأخلاق ولذا قيل : إذا المرء وفي الأربعين ولم يكن * له دون ما يهوى حياء ولا ستر فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى * وإن جر أسباب الحياة له العمر وقيل : أقصى الأشد اثنان وستون ، وإلى كون الأشد منتهى الشباب والقوة قبل أن يؤخذ في النقصان ذهب أبو عبيدة . وغيره من ثقات اللغويين ، واستظهره بعض المحققين ، وهو عند سيبويه جمع واحده شدة - كنعمة . وأنعم - وقال الكسائي . والفراء : إنه جمع شدّ نحو - صك . وأصك ، وفلس . وأفلس - وهذا على ما ذكر أبو حاتم يوجب أن يكون مؤنثاً لأن كل جميع على أفعل مؤنث . وزعم عن أبي عبيدة أنه لا واحد له من لفظه عند العرب ، وقال الفراء : أهل البصرة يزعمون أنه اسم واحد لكنه على بناء ندر في المفردات وقلما رأينا اسماً على أفعل إلا وهو جمع * ( ءَاتَيْنَاهُ حُكْماً ) * أي حكمة وهي في لسان العشر العلم النافع المؤيد بالعمل لأنه بدونه لا يعتدّ به ، والعمل بخلاف العلم سفه ، أو حكماً بين الناس * ( وَعلْماً ) * يعني علم تأويل الرؤيا ، وخص بالذكر لأنه غير داخل فيما قبله ، أو أفراد بالذكر لأنه مما له شأن وليوسف عن هواها وصونها عما لا ينبغي . والعلم هو العلم النظري ، وقيل : أراد بالحكمة الحكم بين الناس . وبالعلم العلم بوجوه المصالح فإن الناس كانوا إذا تحاكموا إلى العزيز أمره بأن يحكم بينهم لما رأى من عقله وإصابته في الرأي . وعن ابن عباس أن الحكم النبوة . والعلم الشريعة وتنكيرهما للتفخيم أي حكماً وعلماً لا يكتنه كنههما ولا يقادر قدرهما ، وتعقب كون المراد بالعلم العلم بتأويل الأحاديث - بأن قوله سبحانه : * ( وَكَذَلكَ ) * أي مثل ذلك الجزاء العجيب * ( نَجْزي الْمُحْسنينَ ) * أي كل من يحسن في علمه - يأباه لأن ذلك لا يصلح أن يكون جزاءاً لأعماله الحسنة التي من جملتها معاناة الأحزان والشدائد إلا أن يخص بعلم تأويل رؤيا الملك فإن ذلك